printlogo


printlogo


مقالة
الهوية الدينية لجيل الشباب ودور الحوزات العلمية

في العصر الحاضر، حيث يشهد العالم تحوّلات متسارعة ومذهلة، وتغمر موجات متلاحقة من التغيّرات الثقافية والاجتماعية والتكنولوجية حياة الإنسان، أصبحت قضية الهوية الدينية لجيل الشباب واحدة من التحديات الأساسية التي تواجه المجتمعات الإسلامية. وفي هذا السياق، تقع على عاتق الحوزات العلمية، بوصفها مراكز لإنتاج المعرفة الدينية وإعادة إنتاجها، مسؤولية جسيمة. يسعى هذا المقال إلى دراسة أبعاد هذه المسؤولية وسبل تفعيلها عمليًا.
أزمة الهوية لدى جيل الشباب
يقف شباب اليوم عند مفترق طريق بين عالمين: عالم عاش فيه آباؤهم وأجدادهم، وعالم جديد يتشكّل بسرعة هائلة. هذا الموقع الوسيط أوجد في أذهانهم تساؤلات عميقة. فسهولة الوصول إلى المعلومات عبر الإنترنت، والاحتكاك بأفكار متنوّعة وأحيانًا متناقضة، والفجوة بين التعاليم الدينية التقليدية وواقع الحياة الحديثة، كلها عوامل أدّت إلى تعقيد مسألة الهوية الدينية لدى الشباب.
بعض الشباب يتجه في مواجهة هذا الوضع إلى اللامبالاة الدينية، وبعضهم الآخر يحافظ على الدين بوصفه مجرد هوية ثقافية دون إدراك عمقه الروحي، في حين يسعى فريق ثالث إلى فهم جديد ومعاصر للدين. وهنا يبرز السؤال الجوهري: ما الدور الذي يمكن للحوزات العلمية أن تؤديه في تشكيل هوية دينية سليمة وحيوية لدى جيل الشباب؟
الفهم الدقيق للمخاطَب: الخطوة الأولى
لكي تؤدي الحوزات العلمية دورها بفاعلية، لا بد لها أولًا من فهم جيل الشباب المعاصر فهمًا صحيحًا. فشباب اليوم يختلفون جذريًا عن الأجيال السابقة؛ إذ نشؤوا في عالم رقمي، ولديهم وصول فوري إلى المعلومات، وهم أكثر تساؤلًا ونقدًا، ويتوقعون الحصول على إجابات مقنعة وعقلانية، لا مجرد تكرار أقوال السلف.
هذا الجيل لا يبحث عن الدين بوصفه مجموعة من القواعد المفروضة، بل يريده مصدرًا لإضفاء المعنى على الحياة. إنهم يريدون أن يعرفوا كيف يمكن للدين أن يجيب عن تساؤلاتهم الأساسية حول معنى الحياة، والعدالة، والحرية، والسعادة. ومن ثمّ، ينبغي على الحوزات العلمية أن تبتعد عن الأساليب التلقينية، وأن تتجه نحو الحوار والتفاعل الهادف مع الشباب.
إعادة النظر في الأساليب التعليمية
تُعدّ مراجعة الأساليب التعليمية من أهم واجبات الحوزات العلمية. فالنظام التعليمي التقليدي في الحوزات، القائم أساسًا على حفظ المتون وتكرار الشروح القديمة، لم يعد قادرًا على تلبية الحاجات المعرفية لجيل الشباب. لذلك، ينبغي للحوزات أن تعتمد أساليب تفاعلية، بحثية، وقائمة على معالجة القضايا والمشكلات.
يجب أن يرتبط تدريس العلوم الدينية بالقضايا الواقعية في حياة الشباب. فلا ينبغي أن تقتصر المباحث الأخلاقية على تعداد الفضائل والرذائل، بل يجب أن تتناول التحديات الأخلاقية المعاصرة، مثل أخلاقيات الفضاء الرقمي، والعدالة الاجتماعية، والبيئة، وحقوق الإنسان. كما ينبغي للفقه أن يتجاوز الأطر التقليدية الضيقة، وأن يولي اهتمامًا خاصًا بفقه المعاملات الحديثة، والفقه الطبي، والفقه الاجتماعي.
إعداد طلاب العلوم الدينية برؤية معاصرة
يتعيّن على الحوزات العلمية أن تُخرّج طلابًا لا يتقنون العلوم الإسلامية التقليدية فحسب، بل يمتلكون أيضًا معرفة بالعلوم الإنسانية والاجتماعية، بل وحتى الطبيعية. فالدعاة ورجال الدين الذين يسعون إلى التواصل مع جيل الشباب، لا بد أن يفهموا لغتهم، ويعرفوا همومهم، ويكونوا قادرين على المشاركة في الخطاب المعاصر.
ويستلزم ذلك إدراج مواد دراسية مثل علم الاجتماع، وعلم النفس، والفلسفة المعاصرة، ودراسات الإعلام ضمن المناهج الحوزوية. فالطلاب الذين يتلقون هذه العلوم سيكونون أقدر على بناء جسر تواصل فعّال بين التراث الديني والحداثة.
الحضور الفاعل في الفضاء العام
لا ينبغي للحوزات العلمية أن تنعزل في أبراج عاجية، بل يجب أن يكون لها حضور نشط ومؤثر في الفضاء العام. ويمكن أن يتحقق هذا الحضور من خلال وسائل الإعلام، والفضاء الرقمي، وتنظيم الندوات العلمية والثقافية في الجامعات، والمشاركة في الحوارات الاجتماعية.
في وقتنا الراهن، يحصل كثير من الشباب على معارفهم الدينية لا من المنابر والكتب التقليدية، بل من الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. ومن هنا، يتوجب على الحوزات أن تنخرط في هذا الفضاء، وأن تنتج محتوى دينيًا موثوقًا، جذابًا، وسهل الفهم. وهذا يتطلب إعداد طلاب على دراية بالتقنيات الحديثة، وقادرين على توظيفها في نشر المعارف الدينية.
تعزيز البعد الروحي والأخلاقي
إلى جانب البعد المعرفي، ينبغي الاهتمام بالبعد الروحي والأخلاقي للدين. فكثير من الشباب يبحثون عن تجربة دينية عميقة وروحية. وعلى الحوزات أن تولي اهتمامًا أكبر بالعرفان، والأخلاق التطبيقية، وتزكية النفس، وأن تُظهر أن الدين ليس مجرد مجموعة من الأحكام، بل هو طريق لسموّ الإنسان وقربه من الله.
إن تنظيم المجالس الروحية، وحلقات الذكر والدعاء، والبرامج التربوية، يمكن أن يسهم في تعزيز هذا البعد. ويجب أن يشعر الشباب بأن الدين لا يقتصر على الآخرة فحسب، بل يمكنه أن يمنحهم الطمأنينة والمعنى والغاية في حياتهم الدنيوية أيضًا.
الخاتمة
إن الهوية الدينية لجيل الشباب مرهونة بتفاعل بنّاء بين التراث والحداثة، ويمكن للحوزات العلمية أن تؤدي دورًا محوريًا في تسهيل هذا التفاعل. ويتطلب ذلك تحولًا في البنية، والأساليب، والرؤى داخل الحوزة. فالحوزات التي تنجح في مواكبة حاجات العصر وتحدياته ستكون قادرة على تربية جيل من الشباب المؤمنين، الواعين، والملتزمين، الذين لا يحافظون على الدين فحسب، بل يحيونه ويجعلونه حاضرًا وفاعلًا في صميم الحياة المعاصرة. وهذه هي أعظم مسؤولية تقع اليوم على عاتق الحوزات العلمية.