printlogo


printlogo


کلمة رئیس التحریر
«المباهلة»؛ حقيقةٌ سامقةٌ في ذروة التاريخ

 على مرّ العصور، تعددت سبل إثبات الحق بين المتنازعين؛ تارةً بالبرهان المنطقي، وتارةً بحد السيف. وحين استعصت الحجج، لجأ الطرفان إلى "المباهلة"؛ وهي ابتهالٌ متبادلٌ يدعو فيه كل فريقٍ ربه أن يصبّ اللعنة على الكاذب منهما، فيتضح الحق من الباطل.
وقعت هذه الحادثة الجليلة في السنة التاسعة للهجرة، حين دعا النبي الأكرم(ص) أسقف نصارى نجران ووفدهم إلى الإسلام. ولأنهم أصرّوا على معتقدهم، تقرر إجراء المباهلة. وفي اليوم الموعود، خرج النبي(ص) ومعه أهل بيته: عليٌّ، وفاطمة، والحسن، والحسين(ع).
كان خروج النبي(ص) بهؤلاء الخمسة مشهداً مهيباً، تضجّ له السماء وتخشع له الأرض؛ إذ لم يأتِ بهم إلا لثقته المطلقة بصدق دعوته وحقانية من اصطحبهم. وحين وقع بصر كبراء نصارى نجران على تلك الوجوه النورانية، أدرك كبيرهم حقيقة الموقف، فقال: "إني لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله، فلا تباهلوهم فتُهلكوا، ولن يبقى نصراني على وجه الأرض".
أدرك الوفد النجراني أن هؤلاء النفر ليسوا كغيرهم، وأن مواجهتهم تعني الفناء. فألقوا سلاح التحدي، وقرروا الصلح، مُذعنين لعظمة الشخصية الإلهية لأهل البيت(ع)، لتظل هذه الواقعة شاهدةً على صدق النبي(ص) وطهارة أسرته.
لم تكن المباهلة مجرد حادثة عابرة، بل هي وثيقةٌ تاريخيةٌ دامغة تؤكد المكانة السامية لأهل البيت(ع) ومنزلة عليٍّ(ع) التي أكّدها النبي لاحقاً في واقعة "غدير خم" في السنة العاشرة للهجرة. لقد خُلّدت المباهلة في ذروة التاريخ بوصفها دليلاً لا يأتيه الباطل على أحقية الحق، وانتصاراً للولاية الإلهية التي تجسدت في هؤلاء النفوس الطاهرة، الذين جعلهم الله حجّةً بالغةً على العالمين.