printlogo


printlogo


نافذة علی المقالات
إرشادات الإمام الخميني(قد) لحفظ هوية الحوزة العلمية وصونها من الاختراق

تتمتع الحوزة العلمية الشيعية بمكانة تاريخية وريادية منقطعة النظير في توجيه مسار العالم الإسلامي وتشكيل وعيه. ولم تكن هذه المكانة المرموقة وليدة مراسوم سلطوية أو قوة عسكرية، بل جاءت نتاجاً طبيعياً لتضحيات جسيمة، وعطاء علمي وروحي مستمر على مدى قرون طويلة، قدمت خلاله الحوزة آلاف الشهداء والمخلصين.
إلا أن هذا الدور الخطير والمحوري يجعلها في مرمى الاستهداف الدائم، سواء من خلال الأخطار الداخلية الناتجة عن التهاون، أو التهديدات الخارجية المتمثلة في مساعي الأعداء لتقويض هذا السد المنيع الذي يقف عقبة أمام مشاريعهم الاستعمارية. ومن هذا المنطلق، أولى الإمام الخميني(قد) اهتماماً بالغاً لحفظ هوية الحوزة وصيانتها عبر منظومة من الإرشادات والخطوات العملية الحازمة ، نلخص أبرز ركائزها في هذا التقرير:
أولاً: التدقيق والتحقيق في سيرة المنتسبين للحوزة
تخضع كافة المؤسسات حول العالم لشروط صارمة في قبول منتسبيها، وهو أمر بديهي ومسلم به لحفظ أمن تلك المؤسسات. ويرى الإمام الخميني(قد) أن الحوزة العلمية -باعتبارها المؤتمنة على أقدس ما يملكه الإنسان وهو الدين- هي أولى بالمراقبة والتدقيق.
وقد حذر الإمام مراراً من وجود أطماع بعيدة المدى تسعى لاختراق الحوزة وهدم بنيانها من الداخل. وشدد على ضرورة التحقيق في سوابق الأشخاص وأفكارهم وسلوكياتهم الشخصية، مؤكداً أن مجرد إعلان التوبة بعد انتصار الثورة قد يكون مدفوعاً بالمصلحة الشخصية والانتهازية، مما يستوجب اليقظة التامة لمنع العناصر السيئة من إفساد البيئة الحوزوية.
ثانياً: التركيز على البناء الأخلاقي وتهذيب النفس
لم يقتصر دور الإمام الخميني(قد) على التدريس العلمي، بل كان يرى في تهذيب النفس والجهاد الأكبر الركيزة الأساسية لصناعة عالم الدين. فالأخلاق والترفع عن الأنانية وحب الذات هي الضمانة الوحيدة لعدم وقوع الرموز الدينية في فخ الغرور، وهو ما تجلى في موقفه الحازم عندما رفض المدح والإطراء في حضوره، محذراً من غواية النفس.
وفي خطاباته الموجهة لطلاب العلوم الدينية، كان الإمام يكرر شعار "التقوى.. التقوى.. تنزيه النفس ومجاهدتها"، معتبراً أن من ينجح في حكم نفسه وتوجيهها هو الوحيد المؤهل لقيادة الأمة وهدايتها.
ثالثاً: إدارة الاختلاف والقضاء على التنازع الداخلي
يعتبر الاختلاف في وجهات النظر والفهم أمراً طبيعياً يلازم أي عمل جماعي أو حراك علمي. إلا أن الخطر يكمن -بحسب رؤية الإمام- في تحول هذا الاختلاف إلى نزاع وتخاصم يسري من النخب والفضلاء إلى عامة الناس، مما يهدد وحدة المشروع الإسلامي.
وعندما شهدت الساحة الحوزوية انقساماً في المواقف السياسية والآليات العملية أدى لتأسيس جمعيات مستقلة ، وضع الإمام ضوابط حاسمة لإدارة هذا الاختلاف، تلخصت في:
•             حصر الخلاف في التكتيكات: يجب أن يقتصر الاختلاف على الأساليب العملية لإدارة الدولة، مع ضرورة الالتفاف حول الأصول الكبرى المتمثلة في الدفاع عن القرآن، ومواجهة الاستكبار العالمي.
•             الثبات على شعار "لا شرقية ولا غربية": الحفاظ على الغضب الثوري ضد الرأسمالية والاشتراكية، ومحاسبة أي طرف يخرج عن هذا الإطار.
•             الحذر من "الخناسين" والمروجين لسوء الظن: التحذير من الأطراف المدسوسة أو الجاهلة التي تسعى للنميمة وتعميق الفجوة بين المؤمنين، والدعوة الدائمة لتأليف القلوب لمواجهة الأعداء المشتركين.
رابعاً: المسؤولية الجسيمة ومخاطر انحراف العالم
تتحمل الفئة الحوزوية مسؤولية تفوق مسؤولية عامة الناس؛ فالسلوكيات المباحة للعامة قد تكون محرمة أو غير مقبولة في حق طلبة العلوم الدينية لما يمثلوه من قدوة. وينبه الإمام إلى خطورة "تعميم الخطأ"، حيث إن أي سلوك منحرف من شخص معمم لا ينسبه المجتمع للشخص ذاته، بل يسقطه على سلك الرواد الدينيين ككل، مما يسبب ابتعاد الناس عن الدين واهتزاز عقيدتهم.
إن انحراف العالم يؤدي إلى ضلال أمة بأسرها ويجرها إلى الهاوية ، بينما يمثل العالم الورع والمهذب منبع هداية للمجتمع المحيط به حتى دون أن يتكلم.
خامساً: المحكمة الخاصة بالحوزويين وآليات المحاسبة
شهدت استراتيجية الإمام الخميني(قد) في التعامل مع المعممين المنحرفين أو المرتبطين بالأنظمة الجائرة (كحكومة الشاه السابقة) تحولاً وتطوراً مر عبر مرحلتين:
1. مرحلة ما قبل انتصار الثورة: وتركزت على ثلاثة محاور حاسمة:
•             التنبيه والفرز الداخلي: عزل "المتقدسين" المزيفين الذين يشكلون قيداً داخلياً يخدم العدو الخارجي.
•             المقاطعة الفقهية والحقوقية: الإفتاء بحرمة الدخول في المدارس الدينية التابعة للسلطة الجائرة، وحرمة أخذ رواتبها، مع إسقاط عدالة المتلبسين بهذا اللباس وحظر الصلاة خلفهم، ومنعهم من التصرف في الحقوق الشرعية (سهم الإمام وسهم السادة).
•             المواجهة الشعبية: الإيعاز للشباب بنزع عمائم من يثبت ارتباطهم بالظلمة وفسادهم باسم الدين.
2. مرحلة ما بعد انتصار الثورة (مأسسة المحاسبة): تحول التعامل إلى إطار قانوني ملزم عبر تأسيس "المحكمة الخاصة بالعلماء". وتستند هذه المحكمة إلى فلسفة واضحة:
•             الخبرة بالبيئة الحوزوية: أن يكون القائمون عليها من أهل الصنف العارفين بأعراف الحوزة وقوانينها.
•             تغليظ العقوبة بناءً على الأثر: نظراً لأن ضرر الجريمة الصادرة من عالم الدين يتضاعف ويمتد أثره للمجتمع كله، فإن القوانين تلحظ هذا الأثر؛ حيث يعد ارتداء الزي العلمائي سبباً موجباً لتشديد العقوبة والأحكام الجزائية وليس تخفيفها.
خاتمة: إن هذه الإرشادات الصارمة والتوصيات الأخلاقية والقانونية التي خطها الإمام الخميني(قد)، لم تكن مجرد إجراءات إدارية، بل كانت استراتيجية شاملة تهدف إلى صيانة القاعدة الأساسية للفكر الشيعي، وحماية أمن الحوزة العلمية من الذوبان والتشويه، لتبقى منبعاً نقياً يقود الأمة نحو الهداية والتحرر.
المصدر: دار الولایة للثقافة والإعلام