ليست المشكلة الجوهرية أن الإنسان لا يؤمن بالموت أو القيامة، فهذا أمر يشترك فيه الجميع تقريباً، لكن الإشكال يكمن في أن المعرفة إذا بقيت حبيسة الذهن لم تتحول إلى حضور حي في القلب، وبقيت فكرة ساكنة لا تُحدث أثرها في الوعي. عندها تتساوى الأشياء البعيدة والقريبة، لأن المسافة الحقيقية ليست في الخارج، بل في مقدار ما تتركه الحقيقة من أثر داخل الإنسان. ومن هنا تنشأ الغفلة: لا من إنكار للحقيقة، بل من غياب حضورها. ولهذا كان رسول الله(ص) إذا ذُكرت الساعة تغيّر وجهه واحمرّت وجنتاه، وقال: «أنا والساعة كهاتين»، مشيراً إلى إصبعين متجاورين، لا ليقيس زمناً، بل ليكشف أن المسافة بين الإنسان والحقيقة ليست زمناً أصلاً، بل هي درجة حضور؛ فقد تكون القيامة أقرب من كل ما يراه الإنسان قريباً، لكنه لا يراها لأنه لا يعيشها بقلبه.(ص)
وكان حديثه(ص) عن الجنة والنار والحساب حديث من يشهد لا من يُخبر، لأن الآخرة لم تكن عنده احتمالاً ذهنياً، بل حضوراً مكشوفاً في الوعي. وهنا ينكشف الفارق بين أن تعرف الشيء، وبين أن تُدركه كواقع يضغط على إدراكك وتصرفاتك. وما يبدو في الدنيا من أفعال ليس نهايته الحتمية؛ فالقرآن يفتح نافذة على باطن العمل، حيث تنقلب الصورة المشهودة في الدنيا إلى حقيقة أخرى في الآخرة. فالقول ليس قولاً مجرداً، والفعل ليس فعلاً عابراً، بل لكل شيء امتداد غيبي لا يُرى الآن. وقد ذكر أهل المعرفة أن باطن الحرام ظلمة وباطن الطاعة نور، وأن الإنسان قد يواجه هناك أثر فعله قبل أن يواجه ذاته؛ وهكذا تتحول الأخلاق إلى نسيج داخلي يصوغ صورة الإنسان في عالم آخر لا تحكمه الظواهر السطحية.(ص)
والموت ليس عبوراً هادئاً كما يتخيله الإنسان الغافل، بل لحظة انكشاف مفاجئة يُنتزع فيها من مألوفه إلى ما لم يألفه. هناك لا تُستحضر التفاصيل، بل تُستحضر الجذور: مَن ربك؟ ما دينك؟ مَن نبيك؟ وكأن الامتحان هناك لا يسأل عن كثرة المعارف الصورية، بل عما صار حياً فيك. وقد يكتشف الإنسان حينها أن المعرفة التي لم تتحول إلى يقين، كانت مجرد ظل معرفة لا يغني عند الحقيقة المطلقة. ولهذا لم يُجعل الذكر مقيداً بوقت، لأنه حالة يُقام بها الإنسان؛ فالكثرة في قوله تعالى: ﴿اذكروا الله ذكراً كثيراً﴾ ليست في اللفظ، بل في امتلاء الوعي بالمعنى، وحين يستقر الذكر في النفس تضرعاً وخيفة، ينقلب من العادة إلى الحضور الحقيقي، ويحفظ الإنسان من التبعثر وسط زحام العالم ومشتتاته.(ص)
ولهذا قال أمير المؤمنين علي(ع): «تخففوا تلحقوا»، فالمشكلة ليست في مشقة الطريق، بل في الثقل والتعلقات الزائدة التي يحملها الإنسان معه، والتي تشكل عبئاً يؤخر حركته، بينما يمثّل التحرر اقتراباً من الخفة التي تسمح بالعبور. والعبادات في حقيقتها تدريب على هذه الخفة والتحرير الداخلي، وليست مجرد طقوس مكررة. إن القيامة ليست حدثاً يقبع في نهاية الزمن، بل حضور يسير مع الإنسان في كل لحظة، والمسافة إليها ليست زمناً يُقطع بل وعي يُفتح، حيث يلتقي الإنسان بما صنعه هنا؛ لأن ما يُبنى في الداخل ينتقل معه حيث ينكشف كل شيء، ومن هنا تصبح العبادة إعادة تشكيل للوعي قبل لحظة الانكشاف الحتمي.