printlogo


printlogo


حوار
المنبر الحسيني بين صناعة الوعي ورسالة الإصلاح

مقدمة الحوار
لم يكن المنبر الحسيني منذ انطلاقته الأولى في رحاب النهضة الحسينية مجرد وسيلة لاستذكار مأساة كربلاء، بل شكّل مدرسة متكاملة في صناعة الوعي الديني والاجتماعي، ومنبراً للإصلاح ومواجهة الانحراف، وحصناً لحفظ القيم التي نهض من أجلها الإمام الحسين(ع). ومع التحولات الفكرية والثقافية المتسارعة التي يشهدها عالمنا المعاصر، تبرز الحاجة إلى قراءة جديدة لدور هذا المنبر ورسالاته وآفاقه المستقبلية.
من هنا، تفتح أسبوعية «الآفاق» هذا الحوار الخاص مع سماحة الدكتور الشيخ إبراهيم العاملي، الباحث والخطيب المعروف، الذي جمع بين التكوين الحوزوي العميق والدراسة الأكاديمية ؛ للوقوف عند جملة من القضايا المرتبطة بوظيفة المنبر الإصلاحية، ودوره في مواجهة الشبهات الفكرية، وآليات تطوير خطابه بما يحفظ أصالته ويعزز حضوره في العصر الرقمي.
الآفاق: سماحة الشيخ، ركزتم في أكثر من محاضرة على أن المنبر الحسيني يمتلك أبعاداً كونية وإنسانية تتجاوز الحدود المذهبية والجغرافية. كيف يمكن للمنبر اليوم أن يقدّم النهضة الحسينية كرسالة عدالة وحرية تخاطب الإنسان المعاصر بمختلف خلفياته الفكرية والدينية؟
الشیخ العاملي: بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله خلفاء الله. إن الحركة الحسينية كانت محاولة للنهوض بالبشرية لتلتفت إلى مصالحها، وتكف عن الانقياد الأعمى وراء الحاكم دون النظر في مؤهلاته القيادية؛ فالأمة التي تسير خلف حاكم مستسلم لشهواته وملذاته محكومة بالتحلل الأخلاقي والزوال. لقد لخص الإمام الحسين(ع) وصف الحاكم في زمانه (يزيد) عندما رفض مبايعته قائلاً: "يزيد فاسق فاجر، شارب الخمر، لاعب القمار، ملاعب القردة، قاتل النفس المحترمة، معلن بالفسق، مثلي لا يبايع مثله". فقد كان يزيد نموذجاً قبيحاً في سلوكه، يقدم الفاحشة والمقامرة والجريمة والإبادة الجماعية لإسكات المعارضين بدلاً من الحوار البناء الذي ينمي الحياة والبلاد. ووصل به الانحراف إلى مجون مخزٍ أباح فيه المدينة المنورة في وقعة الحرة، فارتكب جلاوزته الفواحش والجرائم.
من هنا، كان لا بد من موقف حاسم يعارض هذا السلوك مهما كلف الثمن، فكانت نهضة الإمام الحسين(ع) التي شقت للإنسانية طريق الرفض للعبودية والظلم. وهذا هو البعد الكوني للنهضة الحسينية الذي يتجاوز الأطر المذهبية الضيقة والحدود الجغرافية، لتغدو كربلاء جذوة الثورة التي تعلم منها أحرار العالم؛ كما قال المهاتما غاندي: "تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوماً فأنتصر". لذا، يجب على الخطباء التركيز على هذا البعد الإنساني وإيصال صوت الحسين(ع) إلى أكبر شريحة من الناس، عبر توضيح الموقف الحسيني الرافض للحكومات الجائرة التي تسخر خيرات البلاد لمصالحها الشخصية ولخدمة القوى الخارجية المستعمرة، وبذلك نخدم قضايا الحرية والعدالة الاجتماعية المعاصرة.
الآفاق: انطلاقاً من مقولتكم حول ضرورة الموازنة بين العاطفة الجياشة والوعي الفكري؛ كيف يرى سماحتكم السبل الكفيلة بحماية المنبر من الانزلاق نحو "العاطفة السطحية" دون إفراغه من محتواه الوجداني والروحي الذي يربط الجماهير بالقضية؟
الشیخ العاملي: من القواعد الضرورية التي أحث طلابي في دورات الخطابة عليها دائماً هي "ضرورة الموازنة بين العقل والعاطفة في الطرح المنبري". وكما كان يقول المرجع الراحل السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي: "نحن كما علينا أن نستدر العَبرة، علينا أن نستخرج العِبرة". وقد التزمنا بهذا النهج طيلة سنوات خدمتنا للمنبر، محاولين تحليل الوقائع التاريخية لاستخراج الدروس، مع المحافظة على قوة الفاجعة والدمعة التي تبقي الحركة الحسينية نابضة بالحياة. فالسواد الأعظم من الناس تستهويهم العاطفة أكثر من الطروحات النظرية، وبهم توسعت الحركة الحسينية.
لذلك، تستدعي الموازنة مراعاة الظرف الزماني والمكاني للطرح؛ فلكل مقام مقال بحسب ما درسناه في علم البلاغة وصناعة الخطابة. وفي مسار الطرح العاطفي للمصيبة، لا بد من المحافظة على الحد الأدنى من المقبولية في الرواية، بحيث يختار الخطيب ما لا يصطدم مع مسلمات العقيدة وضروريات الفقه. ولذا أنصح دائماً بتحرير المجالس الحسينية والاعتماد على كتب المحققين الثقات (أمثال السيد محسن الأمين، والسيد عبد الرزاق المقرم، والشيخ باقر شريف القرشي، والسيد محمد تقي بحر العلوم)؛ حتى لا يبتلي الخطيب بنوادر المرويات التي تعرضه للنقد وتهدم المنبر وتضيع ثمرته.
الآفاق: تدعون دائماً إلى تجديد الخطاب الخطابي لمواكبة تحديات العصر ومخاطبة جيل الشباب. ما هي حدود هذا التجديد في نظركم؟ وكيف نطور أدوات المنبر الحواري والتعبيري مع الحفاظ على الأصالة التراثية والتاريخية للمجلس الحسيني؟
الشیخ العاملي: لا نقصد بالتجديد إيجاد جديد في الدين، فالعقيدة والفقه ثابتان. إنما التجديد هو إخراج الفكر القديم بثوب جديد تألفه الأفكار الحديثة، عبر تطعيم الطرح بمصطلحات العلوم العصرية لاستهواء الأكاديميين والجامعيين، دون إغفال الشباب غير الجامعيين بتقريب الفكر الديني لهم بما يتناسب مع معرفتهم الاجتماعية. وهذا يتطلب من الخطيب مخالطة مختلف الطبقات ليقف على حاجات المجتمع ويعالجها في محاضراته ليزاوج بين كافة الحضور.
إن دعوتنا لتجديد الخطاب تعني صياغة لغة تتضمن مصطلحات تلائم ثقافة العصر ولغة الشارع. وهذا يستدعي كثرة المطالعة والمتابعة، ويتطلب من الخطيب أن يكون عالماً موسوعياً؛ فالمنبر يحتاج إلى العلم والمعرفة بالدرجة الأولى، وكلما زاد علم الخطيب تمكن من استقطاب شرائح أوسع من الناس.
الآفاق: يواجه المجتمع الإسلامي اليوم موجات من الإلحاد الجديد، والشبهات العقائدية، والتفكك الأسري. من خلال قراءتكم لواقع المنبر، هل نجح الخطيب المعاصر في تحويل المنبر إلى "حصن فكري" واجتماعي؟ وما هي الثغرات التي ترون ضرورة سدّها فوراً؟
الشیخ العاملي: يجب على الخطيب أن يكون متسلحاً بالمعارف العقائدية، والفقهية، والأخلاقية، وأن يداوم على تثبيت معرفة التوحيد بأبعادها الأربعة (الذات، الصفات، الأقوال، والأفعال) في قلوب الشباب. وهذا يتطلب قراءات متأنية لمئات الكتب القيّمة؛ مثل كتب الشيخ محمد جواد مغنية ("عقليات إسلامية")، وعلي خان ("الإسلام يتحدى")، ونديم الجسر ("قصة الإيمان")، وكتاب "الله يتجلى في عصر العلم"، إضافة إلى مؤلفات الشهيد السيد محمد باقر الصدر الفذة مثل "فلسفتنا" و"اقتصادنا". الخطيب مطالب بالتوسع في معالجة هذه القضايا لمواجهة الشبهات التي تجتاح وسائل الإعلام ومنصات التواصل وتجرّئ الشباب على الإلحاد والتحلل.
وللأسف، على الرغم من كثرة من يرتقي المنابر، فإننا لا نملك الكثير من الخطباء المؤهلين بهذا المستوى العالي. والمعاهد التخصصية الحالية لا تزال محاولات خجولة لم تؤتِ ثمارها كاملة بعد. وتاريخياً، كان الخطباء الذين واجهوا الموجات الإلحادية (كالشيوخ الذين تصدوا للشيوعية مثل السيد صالح الحلي والدكتور الشيخ أحمد الوائلي) قلة يُعدّون على أصابع اليد، ونحن لا نزال نعاني من نقص في هذا الجانب الفكري. أما في الجوانب الأخلاقية والاجتماعية، فلدينا جيل معاصر جديد واعد يمكن التعويل عليه، ونتوقع نمو هذه الفئة مع توسع الحالة الحسينية العالمية والزيارات المليونية وقنوات البث الفضائي.
الآفاق: انتقدتم في أطروحاتكم الخطاب المتشنج الذي يثير النعرات الطائفية. كيف يمكن للمنبر الحسيني في عصر الفضاء المفتوح ومواقع التواصل أن يكون أداة للتقريب والوحدة الإسلامية، وتقديم قيم آل البيت (عليهم السلام) بأسلوب جاذب للآخر؟
الشیخ العاملي: نحن ضد الخطاب الطائفي المتشنج الذي يحرك الغرائز في كل المنابر. ولذلك أتوقف شخصياً عن طرح القضايا التاريخية الخلافية المهملة التي تجدد الصراعات؛ فلا ينبغي الاستغراق في التاريخ وتجاهل الواقع المعاصر.
إن التركيز على تفسير القرآن، والبحوث العقائدية، والفقهية، والأخلاقية فيه غنى تام للمنبر، ويحمي الأمة من الانشغال بالخلافات التاريخية والمذهبية المقيتة التي يستغلها المستعمر للنفوذ والتسلط على مقدراتنا. والقاعدة الأساسية التي يجب أن تحكمنا هي قوله تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا} و{أن هذه أمتكم أمة واحدة}.
الآفاق: بصفتكم تجمعون بين الدراسة الحوزوية والدكتوراه الأكاديمية؛ هل ترون أن الطريقة التقليدية في إعداد الخطباء ما زالت تلبي الطموح؟ وكيف يمكن مأسسة العمل المنبري عبر معاهد تخصّصية تجمع بين علوم القرآن والحديث، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، وفن الخطابة؟
الشیخ العاملي: الطريقة التقليدية أساسية ولا يمكن الاستغناء عنها، ولكن ينبغي تطويرها بإدخال عناصر جديدة تقوي الطرح المنبري. الدراسة الأكاديمية عنصر قوة يعزز واقع الخطيب ويجذب الشريحة الواسعة لمتابعته، لكنها لا تكفي وحدها.
لقد قضيت ثلاثين سنة في الدراسة الحوزوية بين النجف وقم وجبل عامل إلى جانب الدراسات الأكاديمية. ورغم تفوقي البداياتي في الرياضيات والفيزياء الفراغية وتوجيهي نحو الفيزياء النووية، تفرغت لاحقاً للدراسات الدينية. وبنصيحة من الدكتور الشيخ أحمد الوائلي، درست الحقوق ونلت الدكتوراه في الشريعة والقانون. ومع ذلك، تبقى الدراسة الحوزوية هي الأساس الرصين؛ وكما أجاب الشيخ الوائلي ذات مرة حين قيل له إن الدكتوراه أفادتك كثيراً: "ما عندي هو من عشرين سنة دراسة في الحوزة العلمية". لذا، فالمأسسة المطلوبة يجب أن تدمج المعارف الحديثة كعلم النفس والاجتماع بصلب المادة الحوزوية التقليدية.
الآفاق: لطالما شددتم على الأمانة العلمية في نقل السيرة الحسينية ومحاربة الروايات الدخيلة أو المبالغ فيها. ما هي النصيحة المنهجية التي تقدمونها للخطباء الشباب للتمييز بين "الحقيقة التاريخية" و"المأثور الشعبي" دون إحداث صدمة أو نفور لدى العوام؟
الشیخ العاملي: تكمن النصيحة المنهجية في العودة الصارمة إلى كتب المحققين الثقات في تحرير المجالس، كما أشرت سابقاً. كما يجب على الخطيب نفسه أن يمتلك أدوات التحقيق، ولا مانع أبداً من أن يصل الخطيب إلى رتبة الاجتهاد الفقهي والتاريخي ليميز الغث من السمين؛ وقد عرف تاريخ المنبر خطباء مجتهدين كباراً أمثال الشيخ جعفر التستري، والشيخ عبد الحسين الواعظ الخراساني. هذه العلمية والتحقيق تحمي العوام من الروايات الدخيلة دون صدمهم.
الآفاق: ختاماً سماحة الدكتور، في ظل هيمنة التكنولوجيا الحديثة والعوالم الافتراضية، كيف تتصورون مستقبل المنبر الحسيني بعد عقد من الزمن؟ وكيف يمكن "للمنبر الرقمي" أن يحافظ على حرارة اللقاء المباشر وتأثيره الروحي في النفوس؟
الشیخ العاملي: أستحضر هنا كلمة لزميلي الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي (حيث كنا ندرس معاً عند أستاذنا الشيخ محمد تقي البهجت)، إذ يقول: "ينبغي أن نواجه الهيمنة التكنولوجية والعالم الافتراضي والرقمي بأدواته".
وهذا يتطلب بالضرورة تشكيل تجمعات شبابية في وحدات متخصصة ومتفرغة لصد الهجمات الشرسة الموجهة ضد الإسلام والتشيع باستخدام ذات الأدوات الرقمية الحديثة. والمستقبل واعد جداً؛ فجذوة الحرارة الحسينية لن تنطفئ في قلوب المؤمنين، واطمئنوا تماماً من هذا الجانب، والله هو المسدد.
خاتمة الحوار
يظهر هذا الحوار عمق الرؤية الإصلاحية لدى سماحة الشيخ إبراهيم العاملي؛ فالمنبر الحسيني عنده مشروع دائم لبناء الإنسان وإصلاح المجتمع، وجوهر النهضة يكمن في قيم الحرية والعدالة التي تخاطب الضمير الإنساني في كل زمان ومكان. إن نجاح المنبر مرهون بتحقيق التوازن الدقيق بين العقل والعاطفة، والتمسك بالأمانة العلمية، والابتعاد عن الخطابات الطائفية المثيرة للانقسام. ومع تسارع الثورة الرقمية، يبقى التفاؤل بمستقبل المنبر قائماً ما دام وفياً لرسالته الكبرى في نشر الوعي وإحياء قيم الحق والعدل.