printlogo


printlogo


رئیس التحریر
الحوزة العلمية في قم؛ قرن من التحول من الفقه التقليدي إلى التعليم البيني

بسم الله الرحمن الرحیم
بالنسبة لكثير من طلبة العلم وأساتذة الحوزات العلمية الشيعية، ارتبط اسم الحوزة العلمية في قم أكثر من أي شيء آخر بالفقه والأصول ودرس الخارج والاجتهاد. هذه الصورة، وإن كانت قائمة على واقع لا يمكن إنكاره، لم تعد تعكس الواقع كله. فقد شهدت حوزة قم خلال القرن الماضي، من دون أن تبتعد عن هويتها الاجتهادية، تحولاً عميقاً في بنيتها التعليمية والبحثية؛ تحولاً جعلها اليوم واحدة من أوسع منظومات تعليم العلوم الإسلامية في عالم التشيع.
فإذا كان المسار العلمي للطالب في زمن مضى ينتهي تقريباً عند الفقه والأصول، فإن أمامه اليوم، إلى جانب ذلك المسار التقليدي نفسه، عشرات التخصصات ومئات الاتجاهات العلمية؛ من علوم القرآن والحديث، إلى الفلسفة والحقوق والتاريخ والإعلام والثقافة والفن والدراسات البينية. وقد جاء مشروع «شجرة التخصصات والاتجاهات في العلوم الإسلامية»، الذي أُعدّ بمشاركة أكثر من خمسمئة أستاذ حوزوي، ليصوغ هذا التحول في قالب ستة عشر حقلاً معرفياً وأكثر من أربعمئة تخصص واتجاه؛ وهو مشروع يكشف أن النظرة إلى التعليم الحوزوي دخلت مرحلة جديدة.
هذا التحول يطرح سؤالاً جدياً أمام كل ناظر من الخارج: هل ما تزال حوزة قم هي المدرسة الفقهية ذاتها التي تأسست قبل قرن، أم ينبغي اليوم النظر إليها بوصفها مؤسسة متعددة التخصصات للتعليم والبحث في العلوم الإسلامية؟ والإجابة عن هذا السؤال لا تكون ممكنة من دون معرفة تاريخ هذه الحوزة وبنيتها ومسار تحولها.
جذور تمتد إلى النجف
تأسست حوزة قم العلمية في عام 1340 بعد الهجرة، بجهود آية الله الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي ؟ق؟؛ الفقيه الذي تربّى هو نفسه في حوزتَي النجف الأشرف وكربلاء المقدسة. ولذلك، لا ينبغي عدّ نشأة حوزة قم بداية تقليدية جديدة، بل امتداداً لذلك الإرث العلمي نفسه الذي تشكّل على مدى قرون في حوزات العراق.
وقد ظهر هذا الارتباط منذ السنوات الأولى. فحضور مراجع وأساتذة بارزين كانت لهم صلة علمية بحوزة النجف، جعل قم في وقت قصير تتحول إلى أحد أهم مراكز جذب طلبة العلم. وتتحدث الروايات التاريخية عن حضور أكثر من ألف طالب في السنوات الأولى لنشاط هذه الحوزة؛ وهو رقم كان في ذلك الزمن دليلاً على النمو السريع والمكانة العلمية المتنامية لها. ومع ذلك، لم تكن أهمية عمل الشيخ عبد الكريم الحائري ؟ق؟ تنحصر في تأسيس مركز تعليمي فحسب. فما أرساه كان مؤسسة استطاعت، على مدى قرن كامل، أن تتكيف مع الظروف المتغيرة للزمن، من دون أن تفقد هويتها الاجتهادية.
من التعليم التقليدي إلى النظام التعليمي
ينبغي البحث عن التحول الأساسي لحوزة قم في طريقة تنظيم تعليمها. ففي الماضي، كان التعليم الحوزوي يقوم أساساً على العلاقة بين الأستاذ والتلميذ، وحرية اختيار الدرس، ومسار علمي واحد إلى حد ما. وما تزال هذه الطريقة محفوظة حتى اليوم في دروس الخارج وعملية الاجتهاد، لكن إلى جانبها تشكّلت بنية رسمية للتخطيط التعليمي، تتولى وضع سياساتها هيئة تُعرف بالمجلس الأعلى للحوزات العلمية.
وكانت الثمرة المهمة لهذا التوجه صياغة «شجرة التخصصات والاتجاهات في العلوم الإسلامية»؛ وهو مشروع أُعدّ بمشاركة واسعة من أساتذة الحوزة، وحاول لأول مرة تنظيم جميع المعارف الحوزوية في إطار خارطة شاملة. وبحسب هذا المشروع، صُنّفت العلوم الإسلامية في ستة عشر حقلاً معرفياً، وحُدّد لها أكثر من أربعمئة تخصص واتجاه. صحيح أن هذه التخصصات جميعها لم تدخل بعد مرحلة التنفيذ، غير أن هذه الخارطة التعليمية بحد ذاتها تكشف أن صانعي السياسة في الحوزة قد حدّدوا مستقبل التعليم في مسار التخصص.
وأهمية هذا التحول لا تكمن فقط في زيادة عدد التخصصات، بل في التغيير الذي طرأ على فلسفة التعليم نفسها. فحتى عقود قليلة مضت، كان يُنتظر من الطالب أن يحصّل معرفة عامة في جميع فروع العلوم الإسلامية، ليصل في النهاية إلى مرتبة الاجتهاد. أما اليوم، فقد أصبح تأهيل الباحث المتخصص، إلى جانب هذا المسار، أحد الأهداف الرسمية للحوزة أيضاً.
أربع خطوات نحو الاجتهاد
انعكس هذا التحول أيضاً في البنية الدراسية للحوزة. فالتعليم الرسمي في الحوزة يقوم على أربعة مستويات؛ نظام اعترفت به وزارة التعليم العالي الإيراني أيضاً، وحُدّد لكل مستوى فيه معادل جامعي. وعلى هذا الأساس، يُعدّ المستوى الأول معادلاً للدبلوم العالي، والمستوى الثاني معادلاً للبكالوريوس، والمستوى الثالث معادلاً للماجستير، والمستوى الرابع معادلاً للدكتوراه.
ويتعلم الطالب في المستوى الأول، على مدى نحو ست سنوات، الأدب العربي والمنطق والعقائد ومبادئ الفقه والأصول وغيرها من العلوم الأساسية. وهذه المرحلة هي مرحلة بناء الأسس العلمية أكثر من كونها زمن تخصص.
وفي المستوى الثاني، تدخل دروس الفقه والأصول مرحلة الاستدلال، وتحتل الفلسفة والتفسير وسائر العلوم الإسلامية مكانة أبرز. غير أن السمة المهمة لهذه المرحلة هي إتاحة إمكانية الدخول في التخصصات؛ وهي النقطة التي لا يبقى بعدها مسار جميع الطلبة واحداً.
وفي المستوى الثالث، يتابع الطالب، إلى جانب حضوره دروس الخارج، بحثاً تخصصياً في أحد فروع العلوم الإسلامية، وتنتهي هذه المرحلة بكتابة أطروحة. أما المستوى الرابع فهو مرحلة النضج العلمي والاستعداد للاجتهاد، وتقترن بكتابة رسالة علمية.
وقد يبدو هذا التقسيم، للوهلة الأولى، شبيهاً بالبنية الجامعية، لكن الفارق الأساسي هو أن جميع هذه المراحل ما تزال قائمة على محور السنّة العريقة للاجتهاد والحضور في حلقة درس كبار الأساتذة. فالبنية الجديدة لم تحل محل التقليد، بل حاولت أن تجعله أكثر انتظاماً وكفاءة.
وفي النظام التعليمي الجديد للحوزة، يبدأ التخصص منذ نهاية المستوى الأول. فالطالب، وهو يواصل مساره الأساسي في الفقه والأصول، يستطيع أن يختار أيضاً أحد الحقول التخصصية للبحث الأعمق. وهذه النقطة، ربما أكثر من أي مؤشر آخر، تُظهر الفرق بين حوزة قم اليوم وحوزة قم قبل نصف قرن.
وقد حُدّدت اليوم ستة عشر حقلاً معرفياً بوصفها المحاور الأساسية للتعليم التخصصي. وقد تبدو هذه التقسيمة، للوهلة الأولى، مجرد مجموعة من العناوين التعليمية، لكن مع قليل من التدقيق يتضح أن كل واحد من هذه الحقول يمثل إجابة عن جزء من احتياجات العالم المعاصر الفكرية والاجتماعية.
وعناوين الحقول المعرفية المذكورة هي:
1. حقل «القرآن» المعرفي
2. حقل «الحديث» المعرفي
3. حقل «الفقه والأصول» المعرفي
4. حقل «الفقه والحقوق والقضاء الإسلامي» المعرفي
5. حقل «الكلام والأديان والفرق والمذاهب» المعرفي
6. حقل «المنطق والفلسفة والعرفان» المعرفي
7. حقل «اللغة والأدب العربي» المعرفي
8. حقل «الأخلاق والتربية والإرشاد» المعرفي
9. حقل «التاريخ والسيرة» المعرفي
10. حقل «التبليغ والاتصال» المعرفي
11. حقل «الثقافة والفن والحضارة الإسلامية» المعرفي
12. حقل «الاقتصاد الإسلامي» المعرفي
13. حقل «العلوم الاجتماعية» المعرفي
14. حقل «العلوم السياسية» المعرفي
15. حقل «علم النفس» المعرفي
16. حقل «الإدارة» المعرفي
صورة ينبغي تصحيحها
إن استعراض هذه التخصصات ليس مجرد قائمة تعليمية، بل هو صورة جديدة لحوزة قم. والواقع أن حوزة قم ما تزال معروفة بالفقه والأصول، وهما العمود الأساسي لهويتها العلمية. لكننا إن اعتبرنا هذين العلمين الصورة الوحيدة القائمة للحوزة، نكون قد أغفلنا جزءاً مهماً من واقعها اليوم.
فما حدث في القرن الماضي لم يكن إضافة بضعة تخصصات إلى المنهج الدراسي فحسب، بل كان نوعاً من توسيع آفاق التعليم الحوزوي. فحوزة قم، من دون أن تبتعد عن نواتها الاجتهادية، سعت إلى أن تضم في بنيتها الرسمية فروعاً جديدة من المعرفة الإسلامية أيضاً، وأن تحدد لكل واحد منها مساراً تعليمياً وبحثياً مستقلاً. وبعبارة أخرى، ما يزال الفقه عمود خيمة حوزة قم؛ لكنه ليس البناء كله.
قم؛ مدينة تحولت إلى قِبلة عالمية للمعرفة الدينية
لا يمكن فهم تحول الحوزة العلمية في قم من خلال المناهج الدراسية أو تنوع التخصصات وحدها. فأحياناً ينبغي قياس اتساع مؤسسة علمية من أبعادها الإنسانية والتنظيمية. واليوم تستضيف قم نحو مئة ألف طالب علم؛ طلاب قدموا، إضافة إلى جميع محافظات إيران، من قرابة مئة دولة حول العالم لدراسة العلوم الإسلامية في هذه المدينة. وإلى جانب هذا الحضور العلمي، ينشط في قم ما بين مئتين وثلاثمئة مركز تعليمي وبحثي؛ من المدارس العلمية والمؤسسات التخصصية إلى مراكز الأبحاث ومراكز الدراسات والمؤسسات التعليمية، يحمل كل منها جزءاً من عبء التعليم وإنتاج المعرفة الدينية.
وهذه الأرقام، بالطبع، ليست لبيان حجم مجموعة فحسب. فأهميتها الحقيقية تكمن في أنها تكشف عن المكانة الجديدة لقم في الجغرافيا العلمية لعالم التشيع. فقم اليوم ليست مجرد مدينة يُدرَّس فيها الفقه والأصول؛ بل تحولت إلى شبكة واسعة من التعليم والبحث وإنتاج الفكر وتأهيل الكوادر البشرية للمجتمعات الشيعية في مختلف بقاع العالم. فكثير من خريجي هذه الحوزة يعودون بعد انتهاء دراستهم إلى بلدانهم، ويعملون في الجامعات والمراكز الدينية والمؤسسات الثقافية والتعليمية. ومن هذا المنظور، لا يمكن تقييم تأثير حوزة قم ضمن الحدود الجغرافية الإيرانية فحسب.
التقليد والتحول؛ وجهان لعملة واحدة
ربما تكون أهم نقطة يمكن استخلاصها من استعراض قرن من تجربة حوزة قم، هي أن التحول لا يعني بالضرورة القطيعة مع التقليد. ففي الأدبيات العامة، يُتصوَّر أحياناً أن أي تغيير في البنى التعليمية للحوزة يعني الابتعاد عن أسلوب التعليم والتربية التقليدي. غير أن تجربة قم، على الأقل بحسب ما تُظهره وثائقها الرسمية، تطرح أمامنا رواية مختلفة.
ففي هذا النموذج، ما يزال الاجتهاد قمة التعليم الحوزوي، وما يزال درس الخارج المحور الأساسي للتربية العلمية، وما زال الفقه والأصول محتفظين بمكانتهما المحورية. وما تغيّر ليس هوية الحوزة، بل طريقة استجابتها للاحتياجات الجديدة. فالتخصص، وتطوير الدراسات البينية، وتنظيم التعليم، ليست محاولة لإحلال بديل عن التقليد، بل هي جهد لتمكين ذلك التقليد نفسه من مواجهة الأسئلة التي يطرحها العالم المعاصر أمام الفكر الديني. وربما يمكن القول إن حوزة قم، خلال القرن الماضي، لم تكن تسعى إلى تغيير وجهتها بقدر ما أعادت بناء أدوات الوصول إلى تلك الوجهة.
قم والنجف؛ تجربتان وإرث واحد
لا ينبغي تفسير هذا التحول على أنه تنافس بين الحوزات الشيعية الكبرى. فقم والنجف كلتاهما تقومان على أساس تقليد مشترك، محوره الاجتهاد والاستنباط وإنتاج المعرفة الدينية. والفارق هو أن كلاً منهما سلكت مساراً مختلفاً، بما يتناسب مع ظروفها التاريخية والاجتماعية والثقافية. فقم، إلى جانب الحفاظ على تقليد الاجتهاد العريق، اتجهت نحو إنشاء بنى تعليمية رسمية، وتوسيع التخصصات، وتطوير مراكز البحث. أما النجف فقد تابعت تجربتها وخصائصها الذاتية في الحفاظ على تقاليد التعليم الحوزوي.
ومعرفة هذه الفروق ضرورية، لا لغرض مقارنة تنافسية، بل لفهم القدرات المتنوعة لحوزات الشيعة. فكلما ازدادت المعرفة المتبادلة ببنى هذه المراكز العلمية، اتسع المجال أمام التعاون العلمي وتبادل الخبرات والحوار الفاعل بينها.
كلمة أخيرة
إذا كان بالإمكان قبل قرن وصف الحوزة العلمية في قم ببضع مدارس وحلقات درس قليلة ومجموعة من الأساتذة البارزين، فإن هذا التعريف لم يعد اليوم كافياً لبيان الواقع. فحوزة قم اليوم مؤسسة ذات بنية تعليمية واضحة، ومسارات دراسية محددة، وعشرات الحقول التخصصية، ومئات الاتجاهات العلمية، وشبكة واسعة من المراكز التعليمية والبحثية؛ مؤسسة تحاول، إلى جانب وفائها لتقليد الاجتهاد، أن تُعدّ نفسها أيضاً لمواجهة القضايا المعقدة للعالم اليوم. ولهذا، ربما يكون أدق وصف لحوزة قم هو أنها جسر بين التقليد والتجديد؛ مؤسسة لم تنقطع عن ماضيها، ولا تُعرّف مستقبلها بأدوات الماضي. وربما يكون أهم إنجاز لهذه التجربة، لا زيادة عدد التخصصات ولا توسع المراكز التعليمية، بل التغيير في النظرة إلى رسالة الحوزة؛ رسالة أصبحت اليوم، إلى جانب تخريج المجتهدين، تعدّ تأهيل باحثين متخصصين في مختلف فروع العلوم الإسلامية جزءاً من مهمتها أيضاً. وهذا هو التغيير عينه الذي يجعل من غير الممكن، مع بداية القرن الثاني من عمر الحوزة العلمية في قم، أن تُسمّى بعد الآن مجرد «حوزة فقهية»؛ لأن قم اليوم، إلى جانب كل ما كانته، تحولت أيضاً إلى واحدة من أهم مؤسسات تعليم العلوم الإسلامية والبحث فيها في العالم المعاصر.