هفته‌نامه سیاسی، علمی و فرهنگی حوزه‌های علمیه

نسخه Pdf

حين تقسو القلوب

قبس من نور

حين تقسو القلوب

أحمد باقر الطويل

ليست مأساة الإمام الحسين(ع) وليدة السيوف والرماح وحدها، بل كانت ثمرة مسار طويل من قسوة القلوب حين تبتعد عن الله، وتستبدل نور الهداية بالغفلة، والبصيرة بالهوى.
فالقلب لا يقسو فجأة، بل تتراكم عليه أسباب الغفلة شيئاً فشيئاً، حتى يفقد حساسيته تجاه الحق، فلا تؤثر فيه الموعظة، ولا تهزه الآية، ولا يوقظه النداء.
ويقسو القلب حين يتعلق الإنسان بالدنيا حتى تصبح غايته الأولى، وحين يعتاد المعصية، ويغيب عن ذكر الله، وينشغل بما لا ينفعه، حتى يتحول النور الذي أودعه الله فيه إلى ظلمة، كما قال سبحانه: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾.
ومن هنا، فإن كربلاء ليست حادثةً تاريخية فحسب، بل هي مرآة تكشف حقيقة الإنسان حين يغيب القلب عن الله. فلم تكن المشكلة أن القوم لم يعرفوا الإمام الحسين عليه السلام، فقد كانوا يعلمون أنه ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله، ولكن المعرفة وحدها لم تكن كافية، لأن القلب إذا فقد نوره لم تعد الحقائق قادرة على إنقاذ صاحبه.
ولهذا أشار القرآن الكريم إلى أن الخطر الحقيقي ليس عمى الأبصار، وإنما عمى القلوب، فقال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.
فقد يرى الإنسان الحق أمامه، ولكنه لا يملك الشجاعة لاتباعه، لأن الهوى سبق البصيرة، والدنيا غلبت الآخرة.
ولم يترك الإسلام القلب القاسي بلا علاج، بل فتح له أبواب العودة والإنابة. فذكر الله يحيي القلوب، وذكر الموت يكسر الغفلة، والرحمة بالناس تلين النفس، وحضور مجالس الحسين عليه السلام يربط الإنسان بمشروع الإصلاح الذي خرج من أجله الإمام الحسين عليه السلام.
ومن هنا، فإن المشكلة الكبرى التي ابتليت بها الأمة لم تكن فقدان المعرفة، بل غياب الحسين عليه السلام عن القلوب، وإن كان حاضراً أمام العيون.
ولهذا، فإن أعظم المصائب ليست غياب الحسين عن الأبصار، وإنما غيابه عن القلوب.
إن كربلاء ليست حديثاً عن الماضي فحسب، بل دعوة دائمة إلى مراجعة النفس، لأن سقوط الأمم لا يبدأ من السيوف، بل يبدأ حين تقسو القلوب، ويغلب الهوى، ويحل حب الدنيا محل طاعة الله.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه المؤمن على نفسه ليس: كيف قُتل الحسين؟
بل: كيف وصلت القلوب إلى أن تقتل الحسين؟
فإن أعظم ما يخشاه الإنسان ليس قسوة الزمان، بل أن يقسو قلبه، لأن القلب إذا مات لم تعد الموعظة تؤثر، ولم يعد الحق يجد طريقه إلى صاحبه.
وما أحوجنا في زمن الفتن إلى قلوب حية بنور الله، حتى لا يتكرر الانحراف بأشكال جديدة، ويبقى الحسين عليه السلام حاضراً في النفوس كما كان حاضراً في قلوب أصحابه الذين لم تحجبهم الدنيا عن نصرة الحق.

برچسب ها :
ارسال دیدگاه