هفته‌نامه سیاسی، علمی و فرهنگی حوزه‌های علمیه

نسخه Pdf

 جرعةٌ من بحر الفقيه المحقِّق

ملاحظة

 جرعةٌ من بحر الفقيه المحقِّق

حسن الأنصاري

إنّ رحيل العالم الربّاني، والفقيه المحقّق، والرجاليّ الفذّ سماحة آية الله العظمى السيد موسى شبيري الزنجاني، يمثّل بحقّ خسارةً جسيمةً لعالم البحث والتحقيق، ولا سيّما في الدراسات الفقهية والتاريخية. فقد كان من كبار محققي فقهاء الإمامية، لا في عصرنا فحسب، بل في الامتداد التاريخي للمدرسة الفقهية الشيعية. وكان كلّ من حضر دروسه أو اطّلع على تقريراتها يدرك عمق مشروعه العلمي ومنزلته الرفيعة في ميدان الاجتهاد والتحقيق.
امتازت أبحاثه الفقهية بمنهج استقرائي دقيق؛ إذ كان يعالج المسائل في ضوء أقوال المتقدمين من فقهاء الإمامية، وآراء فقهاء أهل السنّة، مع دراسةٍ نقدية لنصوص الروايات وأسانيدها، وتصنيف طرقها، واستيعاب مختلف أبعادها، وتحليل فتاوى الأقدمين، ومناقشة دعاوى الإجماع بمنهج علمي رصين.
ومن حسن الحظ أنّ موسوعته الكبرى في كتاب النكاح، التي تبلغ خمسةً وعشرين مجلداً، قد أُنجز تحقيقها، وقد نُشر معظمها وهي، إلى جانب بحوثه الفقهية الأخرى في الحج وغيره، تعكس سعة معارفه الفقهية والأصولية، ولا سيما في مباحث الأخبار، إلى جانب رسوخ قدمه في علم الرجال والتاريخ، وإحاطته الواسعة بفتاوى المتقدمين من الإمامية وفتاوى أهل السنّة.
كانت دورة دروسه في مباحث أصول الفقه، ولا سيّما مباحث الانسداد وحجّية أخبار الآحاد، من النماذج الرفيعة للتحقيق العلمي. ومن أبرز خصائص ذلك الفقيه المدقّق تأمّلاته المتكرّرة في آرائه السابقة، وإعادة النظر فيها ومراجعتها خلال الدروس، وهو ما كان يكشف عن ذهنه الوقّاد.
وكان من سمات دروسه أيضاً إحاطته بمختلف المسائل الفقهية والرجالية، واستحضاره مضامين الأحاديث في غير الأبواب المرتبطة مباشرةً بالبحث، فضلاً عن اطلاعه الواسع على الموضوعات التاريخية.
لقد كان المرحوم آية الله شبيري في علم الرجال صاحبَ مدرسةٍ بحقّ، ومبتكراً في هذا المجال، وقد قطعت تحقيقاته، ولا سيّما في استكمال مدرسة المرحوم آية الله البروجردي الرجالية وتوسيعها، خطواتٍ كبيرة ومهمّة.
أما الدفاتر التي أعدّها لترتيب أسانيد كتب الشيخ الصدوق وأصحاب الإجماع والكتب الرجالية، والتي اشتملت على حواشٍ دقيقة، وتصحيحاتٍ للأسانيد، وتمييزٍ للمشتركات في الأسانيد، فقد أصبحت فيما بعد أساساً اعتمدت عليه البرامج الحاسوبية الخاصة بالكتب الحديثية والرجالية الشيعية.
وينبغي أن نأمل أن تُنشر قريباً هذه الدفاتر، وكذلك تعليقتاه الطويلة والمختصرة على رجال الشيخ الطوسي، وسائر تعليقاته الأخرى على الكتب الرجالية والحديثية والتاريخية، وكذلك الإجازات.
وقد نُشر قسم مهم من هذه التعليقات إلى الآن ضمن المجموعة القيّمة جداً ذات الأجزاء الأربعة «جرعة من البحر».
وكان المرحوم آية الله شبيري قد قابل كتاب رجال النجاشي على أربع عشرة نسخة، إلا أنّه نُشر من دون تعليقاته، وكان قد وعد بأن يُنشر من قِبَل "دار نشر مكتب الإعلام الإسلامي في قم" في طبعة أخرى. وأهل الاختصاص بعلم الرجال يدركون مدى صعوبة تصحيح نصٍّ بمستوى رجال النجاشي.
كما كان المرحوم آية الله شبيري في علم الأنساب وحيد عصره بحقّ، وتشهد تعليقاته على كتب الأنساب بذلك شهادةً واضحة.
وتُعدّ مقالات آية الله شبيري الزنجاني حول رجال النجاشي، وكذلك حول فهرست منتجب الدين، من نماذج البحث التاريخي التي يمكن تقديمها وفق أعلى معايير التحقيقات الأكاديمية.
وفي مجال الدراسات الرجالية والحديثية ضمن حقل الدراسات الشيعية في الغرب، كانت مؤلفات المرحوم آية الله شبيري الزنجاني وكتاباته ودروسه، منذ سنوات طويلة، موضع اهتمام الباحثين في هذا المجال، وأصبحت مصدراً لإلهام أبحاث متعددة حول تاريخ الفقه والحديث والدراسات الرجالية، كما يُحال إلى مؤلفاته باستمرار.
ومن حسن الحظ أنّ مقالته حول منتجب الدين الرازي قد تُرجمت إلى اللغة الإنجليزية بالتعاون مع أحد الأصدقاء، ومن المقرر نشرها في مجلة الدراسات الشيعية التابعة لدار بريل.
وفي البحث الذي كتبناه مع أحد الزملاء حول مباني علم الحديث عند المحقق الحلي، والذي سيُنشر في المجلة نفسها، تناولنا الرؤية المهمة للمرحوم آية الله شبيري بشأن تحليل إجماعات الشريف المرتضى والشيخ الطوسي.
إنّ رحيل آية الله العظمى شبيري الزنجاني يمثّل بحقّ مصيبةً وخسارةً لعالم البحث والتحقيق. فقد كان آية الله شبيري آيةً في التحقيق والتتبّع، وإذا أردتُ أن أعبّر عن شخصيته العلمية والتحقيقية بتعبير العلماء المتقدمين، لقلت: إنّه كان بحقّ من «أهل التحصيل والنظر».
وإذا أردنا أن نجد له نظيراً إيرانياً في ميدان البحث التاريخي خارج الحوزات العلمية ومجالات العلوم الدينية، بما يساعد الجيل الشاب المطلّع على فهم منزلته العلمية بصورة أفضل، فلا شكّ أنّ النموذج الوحيد الذي يحضر في الذهن هو المرحوم العلّامة محمد قزويني؛ الذي كان، من المصادفة، موضع اهتمام المرحوم آية الله شبيري، وكان يحيل إلى آثاره العلمية.
المصدر: قناة «ملاحظات حسن الأنصاري» على تلغرام.

برچسب ها :
ارسال دیدگاه