نافذة على المقالات
الملا صدرا والقطيعة الهادئة: كيف افتتحت الحكمة المتعالية فلسفة جديدة داخل لغة الفلسفة الإسلامية؟
الكاتب: نواف الموسوي
في مقالة فكرية لافتة، يعيد الكاتب نواف الموسوي النظر في الصورة الشائعة عن الفيلسوف صدر الدين الشيرازي، المعروف بالملا صدرا، والتي تقدّمه عادة بوصفه مجرّد جامع متأخر لتراث ابن سينا والسهروردي وابن عربي والكلام الإمامي والتصوف. يرى الكاتب أن هذه الصورة، وإن بدت منطقية بسبب كثرة الاقتباسات واستمرار المصطلحات القديمة في كتابات الملا صدرا، تخفي حقيقة أعمق: فمشروعه الفلسفي المعروف بـ"الحكمة المتعالية" لم يكن استمراراً لما سبقه، بل إعادة تأسيس كاملة لموضوع الفلسفة ذاته.
يشرح الموسوي أن جوهر هذه "القطيعة الهادئة" لا يكمن في رفض الملا صدرا لأسلافه، بل في أنه أعاد توظيف المفاهيم الفلسفية القديمة نفسها - كالجوهر والوجود والماهية والنفس - لتؤدي وظائف جديدة تماماً داخل نسق مختلف جذرياً. فبينما كانت الفلسفة الإسلامية قبله تقوم على الماهية والثبات، حوّلها الملا صدرا إلى فلسفة قائمة على الوجود والحركة والصيرورة.
يفصّل الكاتب أبرز ملامح هذا التحول عبر خمسة محاور رئيسية. أولها انقلاب العلاقة بين الوجود والماهية: فبعدما كانت الماهية عند ابن سينا مركز التحليل الفلسفي، جعل الملا صدرا الوجود هو الحقيقة العينية الأصيلة، مستنداً في ذلك - كما يشير الكاتب نقلاً عن موسوعة ستانفورد للفلسفة - إلى ما يُعدّ منعطفاً بارزاً في تاريخ الميتافيزيقا الإسلامية. ثانيها فكرة "التشكيك في الوجود"، أي أن الوجود واحد في حقيقته لكنه متفاوت في مراتبه، ما يفسر تنوع العالم من دون اللجوء إلى تعدد الماهيات المستقلة.
أما المحور الثالث والأكثر جذرية، بحسب الموسوي، فهو نظرية "الحركة الجوهرية"، التي تقول إن الحركة لا تقتصر على الأعراض الخارجية للأشياء كما في الفلسفة الأرسطية، بل تخترق جوهر الموجود ذاته، فيغدو العالم الطبيعي في حالة تجدد وصيرورة دائمة بدلاً من الثبات. ويرافق ذلك تحوّل في نظرية المعرفة، حيث تصبح المعرفة عند الملا صدرا نوعاً من الوجود لا مجرد انعكاس ذهني، ليصل الكاتب إلى المحور الخامس المتعلق بالنفس الإنسانية، التي وصفها الملا صدرا بأنها "جسمانية الحدوث روحانية البقاء"، أي أنها تبدأ من المادة وتتكامل تدريجياً نحو مرتبة روحانية أرقى.
يعقد الكاتب مقارنات دقيقة بين الملا صدرا وأسلافه: فمقارنة بابن سينا، يظهر الملا صدرا أقرب إلى فيلسوف للصيرورة لا للثبات؛ ومقارنة بالسهروردي، يحوّل رمزية النور إلى لغة وجودية بحتة؛ أما علاقته بابن عربي، فيصفها الموسوي بأنها لم تكن مجرد "فلسفة للعرفان"، بل إعادة إنتاج لمعاني وحدة الوجود داخل برهان أنطولوجي متكامل. ويستشهد الكاتب بالمفكر سيد حسين نصر الذي وصف الحكمة المتعالية بأنها بناء فلسفي يجعل من علم الوجود حجر الأساس لكل مشروع الملا صدرا الفكري.
يختم الموسوي مقالته بخلاصة مركزية: أن الملا صدرا لم يضف فصلاً أخيراً إلى كتاب الفلسفة الإسلامية، بل افتتح فصلاً جديداً داخل الكتاب نفسه. فبقاء أثره حتى اليوم، وتحوّل مفاهيم أصالة الوجود والحركة الجوهرية إلى ركائز أساسية في الفكر الفلسفي الشيعي والإيراني اللاحق، يؤكدان - بحسب الكاتب - أن حكمته المتعالية كانت قطيعة حقيقية مع الفلسفات الإسلامية السابقة بقدر ما كانت استيعاباً واعياً لها.
المصدر: جريدة الأخبار (لبنان) | السبت 11 تموز 2026
برچسب ها :
ارسال دیدگاه




