هفته‌نامه سیاسی، علمی و فرهنگی حوزه‌های علمیه

نسخه Pdf

رجل أکبر من جغرافیا

مقال

رجل أکبر من جغرافیا

لقد كان القائد الشهيد للثورة شخصيةً تتجاوز شعبيتها وتأثيرها حدود إيران بكثير، حيث يمكن التماس هذه الشعبية وهذا التأثير بوضوح في مختلف قارات العالم. وقد تحولت مراسم تشييع القائد الشهيد إلى استعراضٍ غير مسبوق للنفوذ المعنوي والعابر للحدود لشخصيةٍ امتد نطاق تأثيرها لعقود مضت خارج الحدود الجغرافية لإيران. إن حضور الوفود والشخصيات السياسية والدينية والثقافية والشعبية من عشرات الدول، إلى جانب إقامة مراسم التأبين في مختلف القارات، أثبت أن شعبية القائد الشهيد ومكانته لا يمكن تحليلهما فقط في إطار الحدود الإيرانية أو حتى العالم الإسلامي.
في النظام الدولي، عادةً ما يُقاس مستوى نفوذ القادة بمؤشرات مثل القوة الاقتصادية، أو القدرة العسكرية، أو المكانة السياسية للدول؛ ولكن تبرز أحياناً شخصيات فريدة لا تكمن ركيزتها الأساسية في القوة الصلبة فحسب، بل في القوة المعنوية والخطابية والإلهامية. والقائد الشهيد لإيران هو من جملة هذه الشخصيات؛ فرجلٌ استطاع على مدى عقود أن يبني شبكة من التعاطف والإيمان والاحترام بين مختلف الشعوب، وهي شبكة تجلت بوضوح بعد استشهاده في النطاق الواسع لمراسم العزاء.
وبالتزامن مع تشييعه في إيران، أُقيمت عشرات مراسم التأبين في دول مختلف؛ فمن التشييع المليوني في العراق إلى لبنان واليمن وباكستان وأفغانستان، وصولاً إلى الدول الأفريقية وبعض الدول الأوروبية وأمريكا اللاتينية، وحتى التجمعات المسلمة في أمريكا الشمالية، شكلت مراسم متعددة لتخليد ذكرى القائد الشهيد. ويشير هذا الاتساع الجغرافي إلى أن شخصيته لا تُعرف بوصفه قائداً لدولة فحسب، بل تمثل لشرائح واسعة من الشعوب رمزاً للمقاومة، والنزوع نحو الاستقلال، والصمود في وجه الهيمنة.
كما يحظى الانعكاس الإعلامي لهذا الحدث بأهمية خاصة؛ إذ اضطرت العديد من وسائل الإعلام الدولية ــ حتى تلك التي تبنت لسنوات نهجاً نقدياً تجاه الجمهورية الإسلامية ــ إلى تغطية الأبعاد الواسعة لمراسم التشييع والحضور المليوني للجماهير. إن صور الشوارع الغاصة بالحشود، والحضور الواسع للوفود الأجنبية، والمراسم المتزامنة في مختلف البلدان، نقلت رسالة مفادها أننا أمام شخصية لم يكن نفوذها الاجتماعي محصوراً في الهيكل الرسمي للسلطة.
وثمة نقطة مهمة أخرى تتمثل في التمايز بين «السلطة السياسية» و«المرجعية الاجتماعية». فالعديد من قادة العالم يتمتعون بسلطة رسمية خلال فترة مسؤوليتهم، بيد أن نفوذهم الاجتماعي يتراجع بسرعة بعد انتهاء عهد حكمهم أو حتى بعد وفاتهم. وفي المقابل، يمثل القائد الشهيد لإيران نموذجاً للشخصية التي اكتسبت جزءاً كبيراً من مكانتها من الرصيد الاجتماعي والعقائدي والخطابي؛ ولهذا السبب تحولت مراسم تشييعه إلى حدث اجتماعي وعابر للقوميات.
ومن منظور العلاقات الدولية أيضاً، حملت هذه المراسم رسائل مهمة؛ إذ أظهر حضور ممثلين وشخصيات من دول عديدة أن شبكة الروابط الفكرية والسياسية التي تشكلت حول فكر المقاومة لا تزال فاعلة ونشطة حتى بعد استشهاد قائدها. وفي الواقع، تحولت مراسم التشييع إلى تجسيد لتماسك جبهة فكرية تتخطى الحدود الوطنية؛ جبهة لا تبني وجودها على التبعية لحكومة بعينها، بل تأسست على ركيزة من المعتقدات والقيم المشتركة.
من جهة أخرى، أظهرت إقامة مراسم متعددة في دول مختلفة أن الرصيد الرمزي للقائد الشهيد لا يقتصر على المجتمعات الشيعية فحسب؛ إذ شاركت في العديد من هذه المراسم شخصيات من مختلف المذاهب والأديان والتيارات السياسية، وكان القاسم المشترك بينها هو احترام مواقفه في الدفاع عن استقلال الشعوب، ومناهضة الاحتلال، ودعم القضية الفلسطينية. هذه الميزة بالذات ارتقت بشخصيته من مستوى قائد سياسي إلى مكانة مرجعية ملهمة لطيف واسع من الشعوب.
وفي النهاية، لعل الرسالة الأبرز لمراسم تشييع القائد الشهيد هي أن النفوذ الحقيقي لا يمكن قياسه بالمؤشرات المادية فحسب؛ فأحياناً تكون قوة شخصية ما في قلوب ملايين البشر أكثر خلوداً وبقاءً من تلك القوة المبنية على الأدوات المادية. إن حضور الناس من عشرات البلدان، وإقامة مراسم التأبين في شتى بقاع العالم، والانعكاس الواسع لهذا الحدث في وسائل الإعلام الدولية، كلها شواهد تؤكد حقيقة أن القائد الشهيد لإيران يمتلك شخصية وإرثاً يتجاوزان الحدود؛ شخصية تخطى تأثيرها جغرافية إيران ليتبوأ مكانة خالدة في الذاكرة السياسية والاجتماعية للعالم المعاصر.
وخلاصة القول، لقد أظهرت مراسم تشييع القائد الشهيد للثورة أن أحد أبرز أبعاد شخصيته تجسد في القدرة على خلق أواصر فكرية وثقافية وعاطفية عميقة مع مختلف الشعوب. وإن استمرار إقامة مراسم التأبين في دول شتى وانعكاسها الواسع في الرأي العام العالمي، يدل على أن فكر القائد الشهيد وإرثه قد تحولا إلى مرجعية ملهمة عابرة للقوميات. ومن هذا المنطلق، لم يكن تشييعه نهايةً لحقبة، بل بدايةً لمرحلة جديدة من استمرار النفوذ الخطابي وخلود الشخصية التي لا يزال أثرها مشهوداً في المعادلات الإقليمية والدولية.
المصدر: صحيفة "صدای إيران"

برچسب ها :
ارسال دیدگاه