هفته‌نامه سیاسی، علمی و فرهنگی حوزه‌های علمیه

نسخه Pdf

من الانفعال إلى الريادة

ضرورة المواجهة الاجتهادية مع الفكر الحديث

من الانفعال إلى الريادة

قراءة في ضرورة انفتاح الحوزة العلمية على التحولات المعرفية المعاصرة واستيعابها نقديًا
القسم الأول
رئيس التحرير
 
 
الملخّص
تمثّل كيفية التعامل مع التحولات الفكرية المعاصرة، والنظريات المستحدثة في مجالات الفلسفة والعلوم الإنسانية، أحد أبرز التحديات التي تواجه الحوزات العلمية في العصر الراهن. فالاكتفاء بتجاهل هذه التيارات أو مواجهتها بمنطق الرفض والتحريم لا يوفّر للفكر الديني حصانة حقيقية، بل قد يؤدي إلى تحوّله من موقع المبادرة والفاعلية إلى موقع الدفاع والانفعال أمام التحولات المعرفية المتسارعة.
وانطلاقًا من الرؤية التوحيدية ومبادئ الحكمة والفكر الإسلامي، فإن الباطل لا يظهر في الغالب بصورةٍ منفصلة عن الحقيقة، بل يستمدّ قدرته على الانتشار من امتزاجه ببعض العناصر الصحيحة أو استجابته لحاجات إنسانية واقعية، وإن كان قد ينحرف في تفسيرها أو توجيهها. ومن هنا فإن الفهم العميق للمدارس الفكرية المنافسة، والكشف عن جذورها المعرفية وموقعها من نظام الحقيقة، يشكّلان المدخل الأساس لنقدها نقدًا علميًا، والاستفادة من عناصرها الإيجابية، ومواجهة جوانب الانحراف فيها.
وتسعى هذه الدراسة إلى بيان ضرورة انتقال الحوزة العلمية من حالة التعامل الدفاعي مع الفكر الحديث إلى مرحلة المواجهة الاجتهادية الواعية، بحيث تصبح قادرة على قراءة العالم المعاصر، وتحليل بنيته الفكرية، وتوظيف منجزاته ضمن إطار الرؤية الإسلامية للحياة والإنسان.
المقدمة
وهمُ الحصانة عبر الانعزال الفكري
اضطلعت الحوزة العلمية عبر تاريخها الطويل بدورٍ محوري في حفظ العقيدة الإسلامية، وصيانة الهوية المعرفية للأمة، وبيان معالم الحياة الدينية في مختلف العصور. غير أن التحولات الحضارية الكبرى التي شهدها العالم الحديث، وما رافقها من ثورة إعلامية واتصالية غير مسبوقة، وانتشار واسع للنظريات والمدارس الفكرية، قد أحدثت تغييرًا جوهريًا في طبيعة التحديات التي تواجه الفكر الديني.
وفي ظل هذه التحولات، ظهر أحيانًا اتجاهٌ يرى أن الطريق الأمثل للحفاظ على الهوية الدينية يتمثل في الابتعاد عن المدارس الفكرية الحديثة وعدم الانشغال بها، بدءًا من الفلسفات المادية والوجودية والوضعية، وصولًا إلى الاتجاهات المعاصرة في الهرمنيوطيقا وما بعد الحداثة والنظريات الحديثة في العلوم الاجتماعية والإنسانية.
ويقوم هذا الاتجاه على افتراض أن عدم معرفة هذه التيارات قد يمنع تأثيرها في المجتمع المؤمن. غير أن التجربة التاريخية والمنطق المعرفي يثبتان أن الجهل بالأفكار لا يمنح الإنسان مناعةً ضدها؛ بل إن عدم معرفة الآخر قد يجعل مواجهته أكثر صعوبة، لأن النقد العلمي لا يمكن أن يتحقق إلا بعد الفهم الدقيق لمقدمات الفكر ومناهجه وأدواته.
ففي عصرٍ أصبحت فيه الأفكار تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية بسرعة هائلة، لم تعد القضية المطروحة هي إمكانية الاحتكاك بالتيارات الفكرية الحديثة من عدمها، بل أصبحت القضية الأساسية هي: هل تدخل الحوزة العلمية هذا المجال بوصفها طرفًا فاعلًا يمتلك أدوات التحليل والنقد، أم تبقى في موقع المتلقي الذي يواجه المستجدات بعد وقوعها بمنطق ردّ الفعل؟
إن المحافظة على حضور الفكر الديني في العالم المعاصر لا تتحقق بالانسحاب من ساحات المعرفة، وإنما بالارتقاء إلى مستوى المواجهة العلمية، واستعادة الدور التاريخي للحوزة بوصفها مركزًا لإنتاج المعرفة وتوجيه المسار الحضاري.
أولًا: المرتكز الوجودي
شمولية الرؤية الدينية والكشف عن العلاقة بين الحق والباطل
لا ينظر الفكر الإسلامي إلى الدين بوصفه مجرد مدرسة فكرية تقع إلى جانب المدارس البشرية الأخرى، بل يراه تعبيرًا عن الحقيقة المتوافقة مع نظام الوجود وقوانين الفطرة والعقل. وعلى هذا الأساس، فإن مختلف الظواهر الفكرية والاجتماعية، حتى تلك التي تقف في موقع المعارضة للدين، لا تقع خارج دائرة السنن الإلهية أو مجال الاختبار الإنساني.
ومن هنا فإن التعامل مع الأفكار المخالفة لا ينبغي أن يقوم على افتراض أنها ظواهر منفصلة عن الحقيقة بصورة مطلقة، بل ينبغي البحث عن العناصر التي منحتها القدرة على التأثير والانتشار، وتشخيص مواضع الالتقاء والافتراق بينها وبين الحق.
1. امتزاج الحق والباطل في التجارب الفكرية البشرية
تؤكد الرؤية الإسلامية، من خلال النص والعقل، أن الباطل المحض لا يمتلك في ذاته القدرة على استقطاب العقول والقلوب؛ إذ إن تأثيره غالبًا ما ينشأ من اختلاطه ببعض مظاهر الحق. وقد عبّر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) عن هذه السنّة المعرفية بقوله في نهج البلاغة:
«فَلَوْ أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ الْحَقِّ لَمْ يَخْفَ عَلَى الْمُرْتَادِينَ، وَلَوْ أَنَّ الْحَقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ الْبَاطِلِ انْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ الْمُعَانِدِينَ، وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ وَمِنْ هَذَا ضِغْثٌ فَيُمْزَجَانِ».
وعلى هذا الأساس، فإن كثيرًا من المدارس الفكرية الحديثة لم تتمكن من التأثير في قطاعات واسعة من البشر إلا لأنها عبّرت عن أسئلة إنسانية حقيقية، مثل البحث عن العدالة، والحرية، وحقوق الإنسان، ومعالجة الألم والمعاناة، والسؤال عن معنى الحياة.
غير أن الإشكال لا يكمن في أصل هذه الأسئلة، فهي متجذّرة في الفطرة الإنسانية، وإنما يكمن في المنطلقات التي فسّرتها، والنتائج التي انتهت إليها، والحلول التي اقترحتها؛ إذ أدّى بعضها إلى اختزال الإنسان في البعد المادي، أو فصل وجوده عن أفق الغاية والمعنى المتعالي.
2. إدخال الظواهر الفكرية كافة في دائرة التحليل الديني
حين يتمكن المفكر المسلم من تحديد موقع أي مدرسة فكرية ـ مهما كانت طبيعتها ـ ضمن خارطة الوجود والمعرفة، يصبح قادرًا على تشخيص عناصر القوة فيها ومواطن الانحراف، والتمييز بين ما يتضمنه خطابها من حقائق جزئية وما يحمله من تصورات خاطئة.
وعندئذٍ لا يكون التعامل مع الفكر المخالف مجرد ردٍّ انفعالي أو رفضٍ مسبق، بل يتحول إلى عملية معرفية واعية؛ تستوعب ما يمكن الإفادة منه، وتعيد تفسيره ضمن الإطار التوحيدي، وتكشف في الوقت نفسه عن مواطن الخلل والانحراف.
ثانيًا: السنّة التاريخية للفكر الإسلامي
الجرأة على الحوار والانفتاح بوصفهما شرطًا للنمو المعرفي
يكشف التأمل في تاريخ الفكر الإسلامي أن مراحل الازدهار العلمي والحضاري لم تكن ثمرة الانغلاق عن الأفكار الوافدة أو الاكتفاء بالمحافظة على الموروث، بل كانت نتيجة القدرة على مواجهة الأسئلة الجديدة، والانخراط في حوار علمي مع مختلف الاتجاهات الفكرية، ثم إعادة بناء المعرفة في ضوء الأصول الإسلامية.
فالحضور الحضاري لأي منظومة فكرية لا يتحقق بمجرد الدفاع عن الذات، وإنما بامتلاك القدرة على فهم الآخر، وتحليل مبانيه، ومناقشة مرتكزاته من داخل فضائه المعرفي، ثم تقديم البديل القائم على البرهان والعمق النظري.
1. منهج أئمة أهل البيت (ع) في مواجهة الأفكار المخالفة
تمثل المناظرات الفكرية التي خاضها أئمة أهل البيت (ع) مع مختلف الاتجاهات العقدية والفلسفية في عصرهم نموذجًا رائدًا في التعامل مع الفكر المخالف.
فقد شهد التاريخ الإسلامي حوارات واسعة بين الأئمة (ع) وبين الزنادقة، والدهريين، وأصحاب الاتجاهات الكلامية المختلفة، وأتباع الديانات الأخرى. ولم يكن منهجهم قائمًا على تجاهل الأسئلة المطروحة أو رفض الحوار، بل على الإصغاء الدقيق إلى أقوى ما يقدمه الطرف الآخر من أدلة، ثم مناقشتها بمنهج عقلي وبرهاني يكشف مواطن الخلل ويثبت أحقية الرؤية التوحيدية.
وهذا المنهج يكشف أن الانفتاح على الأفكار ليس تهديدًا للهوية الدينية، بل يمكن أن يكون وسيلة لتعميقها وترسيخ مبانيها؛ لأن الفكر الواثق من أسسه لا يخشى المواجهة، وإنما يرى فيها فرصة لإظهار قدرته على الإجابة عن التحديات الجديدة.
2. تجربة الفلسفة الإسلامية: من الاستيعاب إلى البناء الحضاري
حين انتقلت الفلسفات اليونانية والإسكندرانية والهندية إلى البيئة الإسلامية عبر حركة الترجمة، لم يتعامل العلماء المسلمون معها بمنطق الرفض المطلق أو القبول غير النقدي، بل مارسوا تجاهها عملية معرفية مركبة قامت على الفهم والتحليل والنقد وإعادة البناء.
فقد درس الفارابي وابن سينا والخواجة نصير الدين الطوسي وصدر المتألهين الشيرازي التراث الفلسفي السابق دراسة عميقة، واستفادوا من أدواته المنطقية والعقلية، ثم أعادوا صياغة قضاياه ضمن إطار معرفي جديد منسجم مع الرؤية الإسلامية للوجود والإنسان.
ومن خلال هذه العملية نشأت الفلسفة الإسلامية بوصفها منظومة مستقلة، لا مجرد امتداد للفلسفة اليونانية؛ إذ استطاعت أن تستثمر ما وجدته من عناصر عقلانية في التراث السابق، وتعيد توجيهها في ضوء مبادئ التوحيد والوحي.
وتثبت هذه التجربة التاريخية أن القوة العلمية لا تنبع من تجنب الأفكار المخالفة، وإنما من القدرة على التعامل معها بوعي نقدي، بحيث يتحول الاحتكاك بالآخر من عامل تهديد إلى فرصة للإبداع والتجديد.
تتمة المقال في العدد القادم.

برچسب ها :
ارسال دیدگاه