قبس من نور
حين تكلّم الأسير
أحمد باقر الطويل
قد يبدو الأسير أضعف الناس في ساحة الأحداث؛ فقد سُلبت حريته، وأصبح مصيره بيد غيره، فلا يتوقع أحد أن يبدأ منه تغيير أو أن يصنع تاريخًا. لكن سنن الله كثيرًا ما تكشف أن القوة ليست فيما يراه الناس، بل فيما يودعه الله في عباده من رسالة.
وهكذا كان الإمام علي بن الحسين زين العابدين (ع) بعد كربلاء. خرج من أرض الطف لا يحمل سيفًا، ولا يقود جيشًا، بل خرج أسيرًا، ومع ذلك بدأت على يديه مرحلة جديدة من نهضة الإمام الحسين (ع)، انتقلت فيها الرسالة من ميدان الدم إلى ميدان الوعي، ومن صوت السيف إلى صوت الحقيقة.
بعد عاشوراء بدا المشهد وكأن كل شيء قد انتهى. استشهد الإمام الحسين (ع) وأصحابه، وأُحرقت الخيام، وسُبيت النساء والأطفال، وأصبح أهل البيت أسرى. ولو نظر الإنسان إلى ذلك بعين السياسة لقال إن السلطة انتصرت بكل أدواتها: السلاح، والإعلام، والهيبة.
لكن الخطر الأكبر لم يكن في القتل، بل في الرواية التي ستُكتب بعده. فلو تُرك تفسير كربلاء للمنتصرين، لتحولت أعظم تضحية إلى حادثة يُبرَّر فيها الظلم ويُتَّهَم فيها أصحاب الحق.
لهذا شاء الله أن يبقى الإمام زين العابدين (ع)، لا ليواصل القتال بالسيف، بل ليحفظ معنى ذلك الدم، ويمنع الحقيقة من الضياع.
لقد خرج الإمام من كربلاء يحمل ألم الفاجعة كلها، لكنه أدرك أن التكليف تغيّر ولم يتغيّر الهدف. فإذا كان الإمام الحسين (ع) قد حفظ الدين بدمه، فإن على الإمام السجاد (ع) أن يحفظ ذلك الدم من التحريف والنسيان.
ومنذ اللحظة الأولى حوّل طريق السبي، الذي أُريد له أن يكون طريق إذلال، إلى طريق يقظة. فالسلطة أرادت أن تعرض الأسرى بوصفهم خارجين على سلطانها، أما الإمام فكان يعيد تعريفهم للأمة بأنهم أهل بيت رسول الله (ص).
ولهذا، عندما سنحت له الفرصة، لم يبدأ بالشكوى من الأسر، بل بدأ بالتعريف بنفسه، قائلاً: «أيها الناس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب...».
لم يكن يطلب تعاطف الناس، وإنما كان يعيد وصل الأمة برسولها، بعد أن حاولت الدعاية السياسية أن تفصلها عن أهل بيته.
ومنذ تلك اللحظة بدأ سؤال جديد يولد في عقول الناس: من هؤلاء الذين قُتلوا وسُبيت نساؤهم؟ ولماذا انتهى بهم الأمر إلى هذا المصير؟ وحين تبدأ الأمة بطرح هذا السؤال، تكون الحقيقة قد بدأت تستعيد طريقها.
لم يسقط الإمام سلطانًا بخطبة واحدة، لكنه صنع ما هو أبقى من ذلك؛ صنع وعيًا. فالسلطة تستطيع أن تُخضع الأجساد، لكنها تعجز عن إخضاع العقول إذا استيقظت.
ولهذا لم يكن الإمام يبني ردَّ فعلٍ عاطفيًا، بل كان يبني بصيرة. فالقرآن الكريم يقول: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 9).
وما بدأه الإمام كان تحريرًا للعقول قبل أن يكون مواجهةً للسلطة.
ومن هنا نفهم أن أعظم الانتصارات ليست دائمًا تلك التي تتحقق في ساحات القتال، بل تلك التي تغيّر الإنسان نفسه. فالدم حفظ كربلاء يوم عاشوراء، أما الكلمة الصادقة فقد حفظتها عبر القرون.
لقد انتصر السيف ساعات، أما الحقيقة التي حملها الإمام زين العابدين (ع) فقد بقيت حيّة إلى يومنا هذا.
فإذا كان الإمام زين العابدين (ع) قد أعاد للأمة وعيها بالحقيقة، فكيف حافظ على هذا الوعي في زمن كانت الكلمة فيه مراقبة، والقلوب يملؤها الخوف؟ وكيف تحولت المناجاة والدعاء، في يديه، إلى مشروع تربوي أعاد بناء الإنسان من الداخل، حتى أصبحت الصحيفة السجادية مدرسةً صنعت أجيالًا؟
ذلك ما نتأمله في المقالة القادمة، بإذن الله.
برچسب ها :
ارسال دیدگاه




