مقتطفات
لماذا تعرض العديد من أصحاب الفضائل، كابن سينا، لاتهامات بالكفر؟
إن الضيق المذهبي يُعد من السمات الجوهرية للخوارج، وهو سلوك نلمس تجلياته مجدداً في المجتمع الإسلامي اليوم. وكما ذكرنا سابقاً، فإن "شعار" الخوارج قد اندثر وزال، إلا أن "روحهم" لا تزال حاضرة لدى بعض الأفراد؛ هؤلاء الذين افتقروا إلى الفهم العميق لروح الثقافة الإسلامية رغم ما اتسموا به من جسارة.
وبسبب جهلهم وضيق أفقهم، سارعوا إلى التكفير والتبديع، حتى توهموا أن الإسلام والمسلمية حكرٌ عليهم وحدهم، فوصموا سائر المسلمين الذين لا يتبنون أصول عقائدهم بالكفر. ونظراً لشجاعتهم، كانوا غالباً ما يتوجهون نحو أصحاب السلطة، ظانّين أنهم بذلك يمارسون "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، فكان مصيرهم القتل.
لقد أشرنا سابقاً إلى أن سمات الجمود والجهل والتعسف (التنسك) والتقديس المفرط والضيق المذهبي قد استمرت في العصور اللاحقة، إلا أن قيم الشجاعة والبسالة والتضحية قد تلاشت. وبذلك تحول "الخوارج" إلى "مقدسين جبناء"؛ فوضعوا السيف جانباً، وتخلوا عن ممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تجاه أصحاب السلطة خشية الخطر، واستبدلوا السيف بلسانٍ حادٍ ينهش أعراض أصحاب الفضائل.
لقد صبّوا جام اتهاماتهم على كل ذي علمٍ وفضلٍ بطرائق شتى، حتى بات من النادر في التاريخ الإسلامي أن تعثر على عَلَمٍ من أعلام الفكر لم يكن هدفاً لسهام التشهير التي أطلقتها هذه الطبقة. فقد اتهموا هذا بإنكار الإله، وذاك بإنكار المعاد، وثالثاً بإنكار المعراج الجسماني، ورابعاً بالصوفية، وخامساً بغير ذلك، وهلم جراً؛ حتى إنه لو اتخذنا أحكام هؤلاء السفهاء ميزاناً، لما وجدنا في التاريخ عالماً مسلماً حقيقياً واحداً.
وحينما يُكفّر الإمام علي ؟ع؟، فإن المصير يصبح جلياً للآخرين. ومن الذين تجرعوا من هذا الكأس: ابن سينا، والخواجة نصير الدين الطوسي، وصدر المتألهين الشيرازي، والفيض الكاشاني، وسيد جمال الدين الأسدآبادي، وصولاً إلى محمد إقبال الباكستاني في العصر الحديث.
المصدر: الأستاذ مطهري، "جاذبة ودافعة علي (ع)"، ص ١٣٩ - ١٤١.
برچسب ها :
ارسال دیدگاه




