هفته‌نامه سیاسی، علمی و فرهنگی حوزه‌های علمیه

نسخه Pdf

السؤال: ما هو الشيء الإيجابيّ الذي قدّمته الأديان للبشريّة؟

أسئلة وردود

السؤال: ما هو الشيء الإيجابيّ الذي قدّمته الأديان للبشريّة؟

​​​​​​​الجواب:
يفترض هذا السؤال أحياناً أنّ الأديان لم تقدّم للبشرية شيئاً ذا قيمة، غير أنّ هذه الدعوى لا تنسجم مع حقيقة التاريخ؛ فحتى غير المؤمن بالدين لا يستطيع إنكار أن الأديان كانت من أبرز القوى التي أسهمت في تشكيل الضمير الأخلاقي، وترسيخ مفاهيم المسؤولية، والأسرة، والتكافل الاجتماعي، ومعنى الحياة لدى ملايين البشر.
إنّ أعظم ما قدّمه الدين للإنسان هو أنّه منحه رؤيةً متكاملةً للوجود، تقوم على التوحيد والإيمان بأنّ الكون ليس نتيجة عبثٍ أو صدفة عمياء، وأنّ الإنسان ليس مجرّد كائن مادي ينتهي وجوده بالموت، بل مخلوق له غاية ومسؤولية ومصير. قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾.
فالعلم يجيب عن كثير من الأسئلة المتعلّقة بكيفية عمل الكون والإنسان، لكنه لا يجيب بذاته عن الأسئلة الكبرى: لماذا وُجد الكون؟ وما الغاية من وجود الإنسان؟ ومن هنا يمنح الإيمان الإنسان إطاراً يفسّر معنى الحياة، ويجعل وجوده مرتبطاً بخالق حكيم وهدفٍ أعلى من المصالح المؤقتة.
ومن هذه الرؤية تنبثق منظومة الأخلاق؛ فالعدل في المنظور الديني ليس مجرّد اتفاق اجتماعي قابل للتغيير بحسب قوة الأطراف ومصالحها، بل قيمة ثابتة لها أساس متعالٍ. كما أنّ كرامة الإنسان ليست منحةً تمنحها سلطة أو مجتمع، بل هي أصل ثابت لأنّ الله كرّم بني آدم: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾.
كما أعطى الدين للعدالة امتداداً يتجاوز حدود الحياة الدنيا؛ فالإيمان بالآخرة يقدّم جواباً عن مشكلة المظالم التي لا تجد طريقها إلى الإنصاف في هذه الحياة، ويؤكد أنّ أعمال الإنسان لا تضيع: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾. ومن هنا اكتسبت التضحية والصبر والثبات على الحق معنى يتجاوز الربح والخسارة العاجلة.
ولم تبقَ هذه الرؤية في إطار الأفكار المجرّدة، بل تحوّلت إلى منظومة اجتماعية تدعو إلى رعاية الفقراء والأيتام، وتعزيز التكافل، وحفظ الأسرة، والوفاء بالعهد، وتحريم الظلم والخيانة وأكل أموال الناس بالباطل. كما دعا القرآن إلى العدل حتى مع المخالفين: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
وقد أسهمت الأديان عبر التاريخ في بناء مؤسسات التعليم والرعاية والأوقاف وخدمة المجتمع. ولا يعني ذلك أنّ جميع أتباع الأديان كانوا دائماً ملتزمين بهذه القيم؛ فقد وقعت أخطاء وجرائم باسم الدين، كما وقعت باسم القومية والسياسة والمصالح الاقتصادية. لكن سوء تطبيق الفكرة لا يلغي قيمة الفكرة نفسها، كما أنّ جرائم بعض أتباع أي مبدأ لا تكفي للحكم على المبدأ ذاته.
إنّ الإنصاف يقتضي ألّا ننسب إلى الدين أخطاء أتباعه ونحرمَه من آثارهم الإيجابية؛ فكما أنّ انحراف بعض المتدينين لا يمثّل جوهر الدين، فإنّ أعمال الخير التي يقوم بها المؤمنون كثيراً ما تكون ثمرةً مباشرةً لقيم دينية غرست فيهم معنى الرحمة والمسؤولية والتضحية.
وخلاصة القول: إنّ أعظم ما قدّمه الدين للبشرية أنّه منح الإنسان تفسيراً لوجوده، وجعل للكون معنى، وللحياة غاية، وللأخلاق أساساً يتجاوز الأهواء والمصالح. ومن هذه الرؤية نشأت مفاهيم الكرامة والعدل والرحمة والتكافل وضبط القوة والشهوة والمصلحة، ليعيش الإنسان بوصفه كائناً مسؤولاً أمام الله وأمام نفسه والآخرين.
المصدر: مرکز الرصد العقائدي (باختصار)
 

برچسب ها :
ارسال دیدگاه