قبس من نور
حين يكشف حرفٌ بابًا من التدبر
أحمد باقر الطويل
كم مرة مررنا على آيةٍ من القرآن ونحن نظن أننا فهمناها من أول قراءة؟ وكم مرة كانت كلمةٌ واحدة، أو حرفٌ واحد، كافيًا لأن يفتح أمامنا معنى لم نكن نلتفت إليه؟
فالقرآن لا يختار ألفاظه اعتباطًا، ولا ينتقل من صيغةٍ إلى أخرى من غير حكمة. وكلما توقف الإنسان عند طريقة القرآن في التعبير، لا عند المعنى العام فقط، انفتح له بابٌ جديد من التدبر.
ومن الآيات التي تستوقف المتأمل قوله تعالى بعد ذكر قوم لوط وأصحاب الأيكة: ﴿وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (78) فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ (79)﴾، (الحجر: 78–79).
وهنا يبرز سؤال صغير في ظاهره، لكنه يفتح معنى واسعًا: لماذا بدأ السياق بالجمع: ﴿أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾، ثم قال: ﴿مِنْهُمْ﴾، ثم انتقل فجأة إلى المثنى:﴿وَإِنَّهُمَا﴾؟
إذا كان الحديث عن أصحاب الأيكة، فلماذا لم يقل: "وإنهم"؟
هنا يبدأ التدبر.
فالقرآن يدعونا ألا نقرأ ما يقوله فقط، بل أن نتأمل كيف يقوله. وقد ذهب عددٌ من المفسرين في توجيه هذا الضمير إلى أن الحديث انتقل من القوم إلى ديارهم؛ أي إلى ديار قوم لوط وأصحاب الأيكة، فهذان الموضعان كانا على طريقٍ ظاهرٍ معروف، يمر به الناس ويشاهدون آثارهما.
وكأن المشهد ينتقل من قومٍ هلكوا إلى آثارٍ بقيت بعدهم.
رحل الظالمون، لكن بقيت ديارهم شاهدةً على ما صنعوا.
وهنا يصبح المكان نفسه رسالة. فالإنسان قد لا يرى أصحاب الأيكة، ولا يرى قوم لوط، لكنه يستطيع أن يرى آثارهم، فيقرأ في تلك الآثار درسًا لا يقل أثرًا عن قراءة الكلمات.
ثم تأتي العبارة الأكثر إثارة للتأمل: ﴿لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾.
لماذا قال القرآن: "بإمام"؟
الإمام في الاستعمال القرآني أوسع من أن يكون مجرد شخصٍ يتقدّم الناس؛ فهو ما يُؤتمّ به ويُتّبع ويقود إلى مقصد. ولذلك وصف الله تعالى الكتاب بقوله:﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾، كما تحدث عن أئمةٍ يهدون بأمر الله، وعن أئمةٍ يدعون إلى النار.
وهنا تتسع الدلالة.
فالإمام ليس بالضرورة شخصًا فقط، بل قد يكون كل ما يتخذه الإنسان متقدمًا عليه في طريقه، ويترك له أثرًا في اتجاهه وقراراته.
ولهذا يمكن أن يصبح الطريق إمامًا إذا كان يقود الإنسان إلى غاية، ويمكن أن يصبح التاريخ إمامًا إذا أحسن الإنسان قراءته، ويمكن أن تصبح آثار الأمم إمامًا حين تقود الإنسان إلى العبرة.
فديار الأمم الهالكة ليست مجرد أماكن مرّ بها التاريخ، وإنما شواهد يمكن أن تقود من يراها إلى حقيقةٍ أكبر: أن الظلم لا يدوم، وأن السنن الإلهية لا تتغير بتغير الأزمنة والأسماء.
ومن هنا يظهر سؤالٌ أشد قربًا من حياتنا: من هو إمامك؟ وإلى أين يقودك؟
فالإنسان لا يعيش بلا ما يقوده، حتى وإن ظن أنه يعيش بلا إمام. قد يتبع عالمًا، أو فكرةً، أو رغبةً، أو هوىً، أو دنيا، أو مبدأً، وكل ما يتقدمه في مسيره ويؤثر في اتجاهه يصبح له بمنزلة الإمام.
ولهذا لم يجعل القرآن القضية: هل تتبع أم لا؟ وإنما يجعلها أيضًا: من تتبع؟ وإلى أين يقودك اتباعك؟
فقد يكون ما نتبعه هاديًا بنا إلى الحق، وقد يكون قائدًا بنا إلى الضلال.
وهنا تعود الآية إلى بدايتها، ونكتشف أن السؤال عن ضميرٍ صغير قادنا إلى سؤالٍ كبير عن طريقة قراءة القرآن، وعن معنى الاقتداء، وعن الطريق الذي يسلكه الإنسان في حياته.
وربما كان هذا هو جمال التدبر.
أن تتوقف عند كلمةٍ ظننتها عابرة، فتكتشف أنها لم تكن عابرة.
أن تسأل: لماذا قال القرآن "هما" ولم يقل "هم"؟ ولماذا قال "إمام" ولم يقل مجرد "طريق"؟ ثم تكتشف أن السؤال اللغوي قد يقودك إلى سؤالٍ عن التاريخ، والاقتداء، والهداية، وعن نفسك أنت.
فالقرآن لا يطلب منا أن نكثر من التلاوة فقط، وإنما أن نفتح عقولنا وقلوبنا لما وراء الألفاظ.
قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، (ص: 29).
فقد نقرأ سورةً كاملة، ونمر على عشرات الآيات، ثم تكون كلمةٌ واحدة هي التي توقظ فينا سؤالًا لم نكن نعرف أننا نحتاجه.
ولعل هذا هو أحد أبواب القرآن التي لا تنتهي: أن كلما أعدنا النظر فيه، اكتشفنا أن وراء ما اعتدنا قراءته معنىً جديدًا ينتظر أن نتوقف عنده.
فلا تجعل قراءتك للقرآن مرورًا على الكلمات فقط.
توقف عندها.
اسأل عنها.
وتأمل لماذا اختار الله هذا اللفظ دون غيره.
فربما كان الحرف الذي مررت عليه سريعًا هو الباب الذي كان ينتظر منك أن تطرقه.
ارسال دیدگاه




