قبس من نور
النور الذي يختم الرحلة
الکاتب: أحمد باقر الطویل
مقدمة:
في لحظات معينة من العمر غالبًا عند تعب الروح أكثر من تعب الجسد، يشعر الإنسان كأنه يقف على حافة مرآة يرى فيها نفسه بوضوحٍ لم يألفه. ويطرح السؤال الذي نخشى مواجهته دائمًا: هل أسير في الطريق الذي يقود فعلاً إلى السعادة… أم أنني أُطارد سرابًا يلمع ولا يضيء؟
هذه اللحظة هي التي تُعيدنا إلى كلمات زيارة السيدة فاطمة المعصومة(س): "اللهم إني أسألك أن تختم لي بالسعادة فلا تسلب مني ما أنا فيه".
فهي لا تتحدث عن سعادة عابرة، بل عن سعادة تُختَم بها الرحلة، ذلك النوع من النور الذي لا يرافقك لساعة، بل يرافقك إلى الأبد.
إصلاح النفس بوابة النور الحقيقية
كل طريق إلى السعادة يبدأ من الداخل. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، (الرعد: 11).
فالإنسان الذي لا يروض نفسه يجعل من نعمه نقمًا، ومن علمه خصومة، ومن قوته ظلمًا. أما من أصلح نفسه فقد امتلك أعظم مفاتيح الوجود. لهذا قال أمير المؤمنين(ع): "من لم يهذب نفسه لم ينتفع بالعقل". وقال أيضًا: "أعجزُ الناس من عجز عن إصلاح نفسه".
فالعجز الحقيقي ليس في فقدان المال أو القوة، بل في فقدان السيطرة على النفس التي تُدير كل شيء.
وقد أوصى ولده الإمام الحسن(ع) قائلاً: "ورأيت حيث عناني من أمرك ما يعني الوالد الشفيق… أن يكون ذلك وأنت مقبل العمر، ومقتبل الدهر، ذو نية سليمة ونفس صافية". وكأنه يقول له: “ابدأ مبكرًا… قبل أن تغلبك نفسك.”
ثمار النور في الدنيا قبل الآخرة
من أصلح نفسه يذوق سعادة تختلف عن كل ما يعرفه الناس. سعادة لا ترتبط بكثرة ما يملك، بل بسلام ما يشعر. هو ذاك الذي إذا هبّت العواصف، كان داخله هادئًا، لأنه يستند إلى نور لا تزعزعه الظروف. ثم تأتي لحظة الحقيقة الكبرى التي تحدث عنها القرآن: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً…﴾ (الفجر: 27–30). وهنا يدرك الإنسان أن السعادة لم تكن في نهاية الطريق، بل كانت تنمو فيه خطوة خطوة كلما أصلح نفسه.
الخلاصة:
السعادة التي نبحث عنها ليست عند الآخرين، ولا تُشترى، ولا تُفرض، ولا تُهدى. إنها نتيجة جهادٍ يوميّ: جهاد تهذيب النفس، وكبح الهوى، وتصحيح النية، وتصفية القلب. وما أجمل اللحظة التي يكتشف فيها الإنسان أن النور لم يكن بعيدًا عنه، بل كان ينتظر أن يزيل الغبار عنه فقط. فلنسعَ لأن نختم رحلتنا بالنور لا بالندم، وبالقلب السليم لا بالعذر المتأخر، وبالبصيرة التي ترى الطريق حتى لو أغلقت الدنيا أبوابها.
اللهم اختم لنا بالسعادة، واملأ قلوبنا نورًا وبصائرنا يقينًا، واجعل خاتمتنا خيرًا مما مضى من أعمارنا.
برچسب ها :
ارسال دیدگاه




