هفته‌نامه سیاسی، علمی و فرهنگی حوزه‌های علمیه

نسخه Pdf

يا أيها الذين آمنوا آمنوا… قلق الإيمان لا طمأنينته

قبس من نور

يا أيها الذين آمنوا آمنوا… قلق الإيمان لا طمأنينته

الأستاذ: أحمد باقر الطويل من السعودیة
قد يبدو غريبًا أن يخاطب الله المؤمنين بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾.
فكيف يُؤمر من آمن أن يؤمن من جديد؟
وهل الإيمان ناقص بعد تحقّقه؟
أم أن القرآن يريد منذ البداية أن يزعزع الاطمئنان السهل إلى الإيمان؟
هذه الآية ليست تكرارًا لغويًا، ولا خطابًا تعبديًا عامًا، بل واحدة من أدقّ الآيات في رسم فلسفة الإيمان. فهي لا تُخاطب الخارج، بل تُربك الداخل. لا تنفي الإيمان، لكنها لا تُصادق عليه كاملًا. كأنّها تقول: ما تملكه الآن لا يكفي، وما تظن أنك وصلت إليه ليس النهاية. هنا يتحوّل الإيمان من حالة امتلاك إلى مسؤولية مستمرة، ومن فكرة تُصدَّق إلى موقف يُمتحن.
حين يقول القرآن: يا أيها الذين آمنوا فهو يصف حالة راهنة، لا يمنح شهادة نهائية. أمّا قوله: آمِنوا فهو نقل من الوصف إلى التكليف. الإيمان في المنظور القرآني ليس نقطة وصول، بل علاقة حيّة قابلة للنمو والتآكل. ولهذا يُؤمر به من جديد؛ لأن أخطر ما يهدّد الإيمان ليس الإنكار، بل الجمود.
ولماذا لم يقل: يا أيها الذين أسلموا؟
لأن الإسلام في القرآن هو الانقياد الظاهري، أمّا الإيمان فهو الدخول الوجودي في منظومة الحق. قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾.
أما الآية 136 من سورة النساء لا تخاطب الحدّ الأدنى، بل تخاطب من تجاوز الشكل إلى المضمون، وتطالبه بأكثر. فالإيمان الذي لا يتجدّد، يعود عمليًا إلى إسلام شكلي مهما ادّعى عمقه.
وفي قراءة أهل البيت(ع)، يتّضح المعنى أكثر. يقول الإمام الصادق(ع): "إن الإيمان عشر درجات، بمنزلة السُلّم، يُصعد منه مرقاة بعد مرقاة".
فالأمر بالإيمان هو أمر بالصعود، لا بتكرار الوقوف. ويقول أمير المؤمنين(ع): "الإيمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان".
إيمان بلا كلفة، بلا أثر، بلا موقف… هو إيمان ناقص قابل للسقوط.
فلسفيًا، كل حقيقة لا تتحرّك تموت. الإيمان إن لم يكن فعلًا مستمرًا، يتحوّل إلى فكرة ساكنة لا تصمد أمام الواقع. الإيمان الحقيقي ليس ما نعتقده حين نكون آمنين، بل ما نثبته حين نُهدَّد، ليس ما نقوله في الراحة، بل ما نختاره حين ندفع الثمن.
وحين تربط الآية الإيمان بالله، والرسول، والكتاب، فهي لا تكرّر المرجعيات، بل تثبّتها؛ لأن الانحراف غالبًا يبدأ بالتأويل لا بالجحود. قد يبقى اسم الإيمان، بينما تتغيّر بوصلته.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ ليست آية تطمين، بل آية قلقٍ بنّاء.
لا تسألنا: هل دخلتم الإيمان؟
بل: هل ما زلتم أهلًا له؟
اللهم لا تجعل إيماننا عادةً بلا وعي، ولا يقينًا بلا موقف، واجعلنا ممن يحملون الإيمان مسؤوليةً لا ادّعاء، وسيرًا إليك لا توقّف فيه.
 

برچسب ها :
ارسال دیدگاه