قبس من نور
كيف يُغلق الإنسان أبواب السماء بيديه؟
أحمد باقر الطويل
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾
ليست هذه الآية تقريرًا لعقوبة مؤجَّلة فحسب، بل كشفًا دقيقًا لحقيقة نفسية ووجودية: الإنسان الذي يستحكم فيه الاستكبار يغلق الطريق إلى القرب من الله ليس لأن الرحمة أُغلقت، بل لأن القلب فقد قابليته لها.
في الحديث النبوي الشريف، عرّف الكِبر بأنه: "الكِبر بطرُ الحق وغمطُ الناس" (رواه مسلم وأبو داود). الاستكبار إذًا ليس مجرد شعور، بل موقف معرفي وأخلاقي يرفض الحق حين يأتي من غير الذات. وفي منطق أهل البيت، الاستكبار هو أصل الانفصال عن الله، كما تجلّى في حالة إبليس، الذي عابدًا لله لكنه رفض الانكسار قائلاً: "أنا خيرٌ منه".
يؤكد الإمام الصادق(ع): "ما من عبدٍ إلا وفي رأسه حكمة، وملك يمسكها، فإذا تكبّر قال له: إتضع وضعك الله، فلا يزال أعظم الناس في نفسه وأصغر الناس في أعين الناس". الاستكبار إذًا يغلق باب الرجوع، ويحوّل العقل إلى أداة دفاع عن الأنا بدل أن يكون أداة بحث عن الحقيقة.
أما "أبواب السماء" فهي ليست مكانًا، بل مقام قبول إلهي. يقول الإمام الباقر(ع): "لا يُقبل عمل إلا بمعرفة، ولا معرفة إلا بعمل". فالسماء تُفتح لمن أزال حواجز الكبر من قلبه، والدعاء الصادق يصل إلى الله حين يتواضع القلب. وما يُغلق ليس الباب، بل الاستعداد الداخلي.
الجنة ليست مكانًا فحسب، بل حالة وجودية. تعبير "حتى يلج الجمل في سمِّ الخياط" يُظهر استحالة القبول لمن لم يهيّئ قلبه، ليس لأن المسافة بعيدة، بل لأن الداخل غير مؤهل للانكسار والانقياد للحق.
الجزاء الأخروي في الرؤية الإمامية ليس قرارًا منفصلًا عن الذات، بل انعكاس لما استقر في القلب: كل إنسان يُحشر على صورته الباطنية. ومن اعتاد رفض الحق أو التعالي على الآخرين، لا يحتمل مقام القرب يوم القيامة.
كيف نفتح أنفسنا لتُفتح أبواب السماء؟
التواضع هو المفتاح. حين يعود الإنسان إلى موقعه الحقيقي: عبدًا لا ندًّا، طالبًا لا مستغنيًا، ينفتح قلبه للحق مهما جاء من غير أحبائه. الانكسار أمام الحق، العمل الصادق، والخضوع لله، كلها مفاتيح لفتح أبواب السماء. فالعلم والخبرة يقودان إلى العمل، واليقين يتحول إلى خشية، والطاعة إلى حب، فتُفتح أبواب القرب بطريقة طبيعية، وليس بعقوبة مفروضة.
اللهم طهّر قلوبنا من الكبر، وعلّمنا الانكسار بين يديك، وافتح لنا أبواب سمائك بقلوب خاشعة وأرواح تعرف قدرها بين يديك.
برچسب ها :
ارسال دیدگاه




