لا تُهمل القلم — رسالة إلى طلاب العلم في طريق الحقيقة
رئیس التحریر
لا تُهمل القلم، فهو أنفاسُ الرّوح في ثوب الكلمة
الكتابة ليست مجرد ترتيبٍ للحروف أو زخرفةٍ للعبارات؛ إنّها حياةُ المعنى حين يجد لساناً ينطِق به. كلُّ كلمةٍ تولَد من قلبٍ صادق هي نبضةُ روحٍ تبحثُ عن الخلود.
القلم ليس أداةً جامدة، بل جسرٌ بين الإنسان والحقيقة، بين المعرفة والبلاغ، بين الفكر والالتزام. وأيُّ رسالةٍ أرفع من هذه لطلاب العلم وأهل الفضيلة، الذين نذروا أنفسهم لخدمة الحقّ وهداية الخلق؟
القلم أمانةٌ سماوية واستمرارٌ للتعليم النبوي
كلّ مرّةٍ يكتب فيها طالبُ علمٍ كلمة، فإنّه يسير في خطٍّ مستقيمٍ انطلق منذ فجر الرسالة بكلمة: «اقرأ»
إنّ الكتابة لأهل العلم ليست فناً وحسب، بل عبادةٌ عقليةٌ يتواصل بها ميراث الأنبياء عبر الزمن.
العالِم إذا لم يكتب، أبقى علمه حبيس صدره، والعلمُ المحبوس لا يثمر. كالنور المخبَّأ تحت رماد الصمت. ألم يُقسِم الله بالقلم؟ ذلك القسم العظيم شاهدٌ على أنّ القلمَ حارسُ الفكر، وضمانُ الخلود للمعرفة.
فإذا غاب القلم، فَتُرى الأفكار تموت، وإذا ماتت الأفكار، ساد الليل على الأمّة.
الكتابة ميدانُ الجهاد العلمي والأخلاقي
لطالما كانت الحوزاتُ العلمية منبعَ الفكر والبصيرة، ولكنّ الفكر إن لم يُدوَّن، تاه واندثر. الكلمة المكتوبة نُقشٌ خالدٌ في صفحات الوعي الإنساني، يتجاوز حدود الزمان.
الطالب الذي يكتب هو مجاهدٌ في ميدان البيان، سلاحه القلم وكفاحه ضدّ الجهل والغفلة.
الكتابة تدريبٌ على الحضور، على التبصّر، على إعادة صياغة الفهم.
كلّ سطرٍ يُكتب هو معركةٌ صغيرة ينتصر فيها النور على الظلام.
الكتابة مسؤوليةٌ أمام العلم والإيمان
إذا كانت المعرفة بذرةً، فالكتابةُ هي التربةُ التي تحتضنها حتى تُثمر.
طلابُ العلم مأمورون بتحويل المعرفة إلى فهمٍ عميق، والفهم إلى هدايةٍ نافعة، ولن يتحقّق ذلك إلا بالقلم.
الكتابة جوابُ العقلِ على نداء الأمانة الإلهية: «بلّغوا عمّا تعلّمتم.»
وربّ سطرٍ بسيطٍ يُكتَب اليوم، يفتح غداً طريقاً لأجيالٍ بأكملها.
إنها لحظةُ صفاءٍ يحدّث فيها الإنسانُ نفسهَ بما فهم واعتقد، فيكتشفُ أنه لا يدرك ما يعلم إلا حين يكتبه.
القلم يُعلّمنا مسؤولية الفهم، ويهذّب نوايانا كما تهذّب العبادةُ نفوسنا.
الرابطةُ بين الفكر والأثر
ما أبقى التاريخَ حيّاً ليس مجرّد العقول العظيمة، بل آثارُ أقلامها الخالدة.
لو سكت العلماءُ في الماضي، لما عرفنا شيئاً عن معارفهم وجهادهم الفكريّ ومواقفهم ضدّ الانحراف والبدع.
لكلّ كتابٍ نافذةٌ على زمنه، ولكلّ سطرٍ مكتوبٍ درجةٌ تُرقى بها الأجيال القادمة.
فكلّ طالب علمٍ يخطّ بقلمه، إنما يضع حجراً آخر في بناء الفكر الديني الإنساني.
الكتابة حضورٌ لا يغيب. الكاتب قد يرحل، لكن كلماته تبقى، تمشي في الأزمنة كالنسيم، توقظ الأرواح وتفتح الأبواب الموصدة.
الكتابة رحلةُ روحٍ في طريق المعرفة
بالنسبة لطلاب العلم، الكتابة ليست مجرّد نقلٍ للعلم، بل هي مرحلةٌ من مراحل السلوك الروحي.
حين يتحرّك القلمُ بنيّةٍ خالصةٍ لله، تصبح كلُّ كلمةٍ عملاً تعبّدياً.
الكتابة إعادةُ خلقٍ للحقائق بلغة النفس، وتدريبٌ على النظر الإيماني في الكون.
هي امتحانُ الدقّة والصدق والبلاغة في خدمة المعنى.
كلّ ما يُكتب في سبيل الحق هو عبورٌ من الفهم إلى النور.
إلى طلاب الحوزة الشباب: اكتبوا من اليوم
الكتابةُ كالعبادة، تُتقَن بالممارسة والمداومة. لا تنتظر الكمال لتكتب؛ بل ابدأ بما لديك.
دوّن خاطرةً، لخّص درساً، فسّر آيةً أو حديثاً، شارك فكرةً خطرت في بالك.
كلّ سطرٍ تكتبه درجةٌ في مدارج العلم.
فكم من عظيمٍ ضاع أثره لأنه لم يكتب! وكم من قلمٍ صادقٍ ترك أثراً لا يزول، رغم بساطة عباراته!
الكتابة خدمةٌ للحقّ وللإنسان
قلمُ طالب العلم أمانة، وكلماته مسؤوليّة. كما يخطب الخطيبُ لهداية الناس، يكتب الكاتبُ ليُنير العقول.
وفي زمنٍ تملؤه الضوضاء والأفكار المضلّلة، تصير الكتابة الهادية كالنور في العاصفة.
على طلاب العلم أن يُعيدوا صياغة الخُلق النبويّ والفكر القرآنيّ ببيانٍ يجمع بين الأصالة والوضوح.
هذه ليست مهمّةً صغيرة، بل امتدادٌ لرسالة الأنبياء في حفظِ وعي الأمة من التيه والضياع.
اربط قلمك بقلبك
تعلّم أن تكتب بقلبك قبل يدك. الكتابة الجافّة ميتة، كما أنّ القلب الصامت مظلم.
الكاتب الحقيقي يكتب من القلب وللقلوب؛ لا بحثاً عن مدحٍ أو شهرة، بل طاعةً للصدق نفسه.
طالب العلم حين يكتب بإخلاص، فإنّ كلماته تصبح مرايا تعكس صفاء نيّته وإيمانه.
ربّ جملةٍ صغيرةٍ من قلبٍ صادقٍ، تهزّ وجدانَ قارئٍ بعيد، وتُوقظُ فيه نور الفطرة.
دع قلمك يشهد على إيمانك وسعيك، لعلّ كلمتك تُوقظ نفساً في طريق الله بعد رحيلك.
كلُّ كلمةٍ نواةُ إيمان
في عيون العارفين، الكلمةُ بذرة، والقلوبُ أرض.
اكتب لتزرع الأمل حيث الجفاف، واكتب لتُثمر من علمك خيراً للأرواح.
قد تظنّ أن كتابك صغير، لكنه قد يكون قطرة الضوء التي تفتح باب الهداية لقلبٍ واحد، فيكون أثمن من مجلداتٍ صامتة.
سيأتي يومٌ يقرأ إنسانٌ بعيد كلماتك، فيجد فيها أنساً وهداية.
تلك مكافأة الكاتب المؤمن، الذي كتب لله لا للمجد.
كلمة الختام
لا تتوقف عن الكتابة، حتى لو لم يقرأْ أحدٌ أعمالك. فإنّ الكتابة قبل أن تكون رسالةً للناس، هي عهدٌ بينك وبين نفسك أن تبقى حيّاً في طريق المعرفة.
القلمُ رفيقُك في الليل الطويل، وصديقُك في الحيرة، ووصيّتُك إلى الأجيال القادمة.
أيّها الطالب الساعي إلى النور، اكتب لتُخلّد علمك، ولتترك أثرَك في سجلّ الفكر الإسلامي المعاصر.
اكتب، فإنّ كلماتك تُحيي الحياة في القلوب، وإنّ كلّ سطرٍ صادقٍ منك هو شعلةٌ جديدة في درب الحقيقة.
الكتابة استمرارُ الوجود بالحقّ. فلا تُهمل القلم، فإنّ نورك يمتدّ به إلى ما بعد حدود الوقت.
برچسب ها :
ارسال دیدگاه




